بين ماري وتدمر

وماري، كما هو معروف - أو كما يفترض أن يكون معروفاً- عاصمة إحدى أقدم الممالك السورية، وواحدة من أقدم الحضارات في التاريخ البشري، قامت على الفرات الأوسط منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وازدهرت فيها الفنون، وهو السبب الذي دعا الموسيقي البارع رعد خلف إلى إطلاق اسمها على أول أوركسترا نسائية في الشرق الأوسط، قدمت - ولا تزال - الكثير من الأعمال والاحتفالات الموسيقية المميزة.
في ماري كانت أورنينا مغنية المعبد التي عرفناها من تمثالها المحفوظ في المتحف الوطني بدمشق، وهو ينتمي إلى مجموعة تماثيل العبّاد، التي كان يصنعها نحاتو ماري لمن يطلبها، وينقشون خلف كتف التمثال اسم صاحبه، وبعض عبارات التقرب إلى الآلهة، قبل أن يُقدم كنذرٍ للمعبد برجاء نيل البركة. تمثال ماري هو أحد التماثيل النادرة التي تمثل صاحبها بوضعية الجلوس، وهو ما اقتضته متطلبات مهنة صاحبته التي كانت إلى جانب الغناء تقوم إما بالعزف على القيثارة، أو الطرق على الدف، حيث أن وضعية يدي المغنية، مع فقدان الآلة الموسيقية التي بين يديها، أديتا إلى افتراض كلا الاحتمالين، وتبني أحدهما.
أورنينا التي تشير من ناحية ثانية إلى المكانة الاجتماعية المرموقة للمرأة في مجتمع ماري، اختير لتجمّع فنانات تشكيليات هاويات يضم 27 فنانة من طرطوس، أنشأه الفنانان جورج شمعون وسماهر دلا، وبدأ منذ عام 2014 بالتحضير لمعرض (ألواح تتكلم) الذي ضم 150 لوحة تصور آثاراً سورية تنتمي إلى مختلف الأماكن والحقب الزمنية، أقيم في طرطوس عام 2017 وفي دار الأوبرا بدمشق هذا العام، ومن ثم كان معرض (تحية لتدمر) الذي افتتح الشهر الماضي في متحف دمشق الوطني بدعوة من مدير عام الآثار والمتاحف الدكتور محمود حمود ضمن الاحتفال الذي أقامته المديرية بإزاحة الستار عن نسخة من سقف محراب معبد بل في تدمر الذي دمرته العصابات الظلامية عام 2015 فخسرت الحضارة البشرية بهذا التدمير الهمجي أحد أهم أوابدها التاريخية.
في معبد بل تمازجٌ فريدٌ للزخارف الشرقية والغربية تعكس عظمته كأحد أهم أوابد الشرق القديم من القرن الأول الميلادي، ومما جاء في وصف خبير الآثار الشهيد خالد أسعد لمعبد بل الشهير: (للمعبد بوابة تقع في الجدار الغربي تفضي إلى بوابة أخرى ذات مداخل ثلاثة كانت تغلق بأبواب من البرونز المذهب وعلى طرفيها برجان مزخرفان، مع ممر تحت الرواق الغربي مخصص لعبور الحيوانات المُعدّة للأضاحي، ونقشت على سقف الرواق مشاهد أسطورية وزخارف حيوانية ونباتية وهندسية، حيث كان السقف يُحمل على جسور ضخمة من الحجر المنحوت، وداخل الحرم يقوم المحرابان الجنوبي والشمالي حيث تنصب تماثيل الآلهة، وفي وسط المحراب الجنوبي نحت جداري يمثل الشمس يحيط بها إطار من الزخارف تضم بعض النقوش الدالة على الكواكب بينها زهرة اللوتس. أما المحراب الشمالي فيتألف سقفه من قطعة واحدة نحتت بشكل قبة السماء في منتصفها بقايا تمثال بل يتوسط الكواكب السبعة وتحيط بها البروج الاثنا عشر دلالة على قدرة بل حسب المعتقدات التي كانت سائدة حينذاك، كما يحتوي على نقش لنسر يفرد جناحيه).
بعد تدمير المنظمات الظلامية للمعبد قامت مجموعة من الفنانين الإيطاليين تحت إشراف جمعية لقاء الحضارات الثقافية التي يرأسها (فرانشيسكيني روتلي) رئيس بلدية روما، النائب والوزير السابق، وكذلك البعثة الإيطالية العاملة في إبيلا بإنجاز نسخة عن سقف المحراب الشمالي تعبيراً عن وقوفهم إلى جانب التراث السوري وحرصهم على استمراريته، ودعمهم لكل من يعمل على حمايته ورعايته، وتمت صناعة النسخة المذكورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وبدقة كبيرة مع إضافة مؤثرات (التعتيق) من ألوان ومواد تقليدية لإعطائها الطابع الأثري القديم، وانتهت خلال مراحل عدة بنتائج مطابقة لواقع سقف المحراب الذي يتميز بزخارفه ونقوشه الجميلة والنادرة، ويزيد طول النسخة على أربعة أمتار، ويبلغ عرضها نحو متر ونصف المتر، وسماكتها ثمانون سنتيمتراُ، ووزنها 190 كيلو غراماً، وقد جرى عرضها في مبنى (الكلسيوم) الأثري في روما، وفي مبنى الأمم المتحدة فيها، كما عُرضت في مبنى البرلمان الأوروبي في بروكسل، ومقر اليونيسكو في باريس وأهديت أخيراً إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية، فوصلت إلى متحف دمشق الوطني منذ نحو شهر، وجرى الاحتفال بإزاحة الستار عنها في الثالث والعشرين من نيسان الماضي، وتضمن الاحتفال معرض (تحية لتدمر) الذي تتخطى أهميته المعرفية مستواه الفني، لتلتقي مع أهمية المبادرة التي تسعى لترجمة مواهب المنتسبات لها في عمل ثقافي منفتح على الفكر الإنساني، وعلى تراثنا الأثري الثري ضمناً.
مع أنها نسخة عن سقف المحراب، وليست السقف الأصلي، فإنها تبقى إضافة مهمة لمقتنيات متحف دمشق الوطني الذي يسترد عافيته تدريجياً بعد إعادة تأهيل عدد من أجنحته، والاستمرار في إعادة تأهيل باقي الأجنحة، والأكثر إبهاجاً مستوى التعامل الراقي لكادره مع الزوار بدءاً من قاطع التذاكر مروراً بالأدلاء الشباب بمعلوماتهم الوافية وحضورهم الجميل.
والبهجة الأكبر تتحقق حين تصبح زيارة المتحف تقليداً اجتماعياً واسعاً، كتعبير عن نمو المعرفة، والاهتمام، بتاريخنا الحضاري ونتاجه الإبداعي الفريد.
إضاءات
سعد القاسم
التاريخ: الثلاثاء 14-5-2019
رقم العدد : 16977

 


طباعة