عشرينية المدرّس

 مع حلول الذكرى العشرين لرحيل الفنان المعلم فاتح المدرّس، شهدت دمشق احتفالية خاصة بمبادرة من الإعلامي ملهم صالح افتتحها مرسمه الشهير بمعرضٍ استعادي، واستكملتها غاليري مصطفى علي في دمشق القديمة بندوة على يومين تحدث فيها الفنان المعلم الياس زيات، والدكتور سعد الله آغا القلعة، والمخرج محمد ملص، والفنان والباحث التشكيلي طلال معلا الذي أشار بغبطة إلى الحضور الكثيف للأجيال الشابة في الاحتفالية بعد كل هذه السنوات على رحيل المدّرس.
يلفت الانتباه في الآراء التي قيلت في فاتح المدرّس وفرتها التي تترجم أهميته، وقد تأسست تجربته على موهبته التشكيلية وشمولية ثقافته وحواره الإبداعي الدائم مع الفكر الإنساني ونتاجاته الفلسفية والفنية.
وربما لم يرمز فرد لمرحلة إبداعية بأكملها كما فعل فاتح المدرّس بالنسبة للحركة التشكيلية السورية. وقبول المجتمع (ضعيف الثقافة التشكيلية) لتجربته المتقدمة لم يكن نتيجة إدراكه لها، بقدر ما كان بفعل الوزن الثقافي الذي كان يمثله فاتح المدرس، ويتجلى في تجربته التشكيلية أولاً، وفي غناه المعرفي وتنوع اهتماماته وتعددها كشاعر وكاتب قصة قصيرة، وعازف حر على البيانو، بالإضافة لاهتماماته الفلسفية والفكرية.
ولد فاتح المدرّس في حلب عام 1922 وشهد باكراً مقتل أبيه على يد عصبة من المستبدين، فتولت عمة له رعايته لكنه لم يستطع العيش معها بسبب اعتراضها على ميوله الفنية المبكرة، ووقوفها بوجه رغبته في الرسم. وأمام إلحاحه الشديد أعيد إلى أمه الفلاحة المعدمة التي بذلت جهوداً شاقة لتنشئة أولادها، وعملت كل ما بوسعها كي يتابعوا دراستهم، في الوقت الذي شجعت فيه - رغم أميتها- اهتماماته الفنية، ووفرت لها بعض متطلباتها الباهظة القيمة. هذا التأثير الاستثنائي لأمه في حياته تبدى في قسم كبير من لوحاته ظهر فيها وجهها متحداً بالأرض.
درس فاتح المدرس الفنون واللغة الإنكليزية في حلب وعاليه، وشارك عام 1947 في معرض الفنانين العرب في (بيت مري) ومن ثم في المعرض الأول للفنانين التشكيليين السوريين في مدرسة التجهيز الأولى بدمشق، ونظم عام 1950 المعرض الأول لأعماله في نادي (اللواء) بحلب. غير أن عام 1952 كان الأهم في تجربته، عندما شارك في معرضين أحدهما في الولايات المتحدة والثاني في السويد. إلا أن الحدث الأميز كان نيل لوحته (كفر جنة) جائزة المعرض السنوي الثالث للفنون التشكيلية في المتحف الوطني بدمشق، وهي اللوحة التي اعتبرت فاتحة اتجاهات الحداثة في الفن التشكيلي السوري. وبعد ذلك بعامين سافر إلى إيطاليا حيث درس لمدة ست سنوات في أكاديمية الفنون الجميلة فيها، عاد بعدها ليدرّس في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق حتى عام 1969 حين سافر للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة في باريس. وخلال فترة إقامته في فرنسا تعرف على (جان بول سارتر) الذي قام بترجمة بعض أشعار المدرّس.
اشتركت عدة مصادر في صوغ إبداعه التشكيلي أهمها ما حفظته ذاكرة الطفولة من القسوة وغنى الصور في الوقت ذاته. وتتقدم تلك الصور - كما سبق - وجه أمه المتكرر بوفرة في لوحاته، ومشاهد السهول الفسيحة قليلة الأشجار التي بقيت تظهر في أعماله دائماً. إن اعتبار البيئة المحلية مصدراً أساسياً لأعمال المدرّس إنما يؤكده حضورها القوي فيها، ويكفي تأكيداً لذلك استعراض أسماء لوحاته بدءاً من لوحته الأشهر (كفر جنة) في غرب حلب، ومروراً بلوحات تحمل أسماء مثل: صلاة البادية السورية، نساء من بقين، قصص الجبال الشمالية، من الشمال السوري، وادي بردى، مرتفعات بلودان، التدمريون، فتيات تدمريات، سهول الشمال السوري حيث أينعت البذور الأولى لذاكرته البصرية فكانت هذه السهول وفيرة الحضور في لوحاته بتقاطعاتها الهندسية المتراصة ومداها اللا منتهي.
المصدر الثاني في لوحة فاتح هو تراثه الثقافي، وعنه وعن ما سبقه، يقول فاتح: (المادة التي استعملها ربما كانت البيئة كلها، التاريخ السيكولوجي للشعب الذي أنتمي إليه، ولربما تطلب الأمر الإشارة إلى موقفي كإنسان من هجمات شعوب أخرى معادية لسورية والعرب، كما يدخل في موضوع المادة التي استعملها مجموع الأضواء التي تتميز بها أرض وسماء وطني. وربما تعين عليّ أن أحدد العوامل النفسية للوجوه الآدمية من أبناء بيئتي، أو فهمي الذاتي لمفاهيم تجريدية عن القتال والشرف والحرية والحب...)
والمصدر الثالث: تراثه الفني وقد تجلى في أسلوب بناء اللوحة، وفي التأثيرات المعاد صياغتها للفن الآرامي والرافدي والفينيقي والتدمري التي تكاد لا تغيب عن أي من لوحاته. وتعمق ألوانه المشبعة بلون تراب الأرض، والتي مزج معها أحياناً تراباً حقيقياً، انتماء تجربته إلى خصوصيتها المحلية التي أعطتها مكانة عالمية ظلت تسعى إليها دون جدوى تجارب سلمت قيادها إلى اتجاهات التجريب الغربي.
النجاح الأكبر لفاتح المدرّس لم يكن في الاعتراف العالمي الذي حازه كفنان تشكيلي سوري أبدع تجربة ذات خصوصية محلية، وإنما في إكساب تجربته تلك شرعيتها وسط مجتمع لا تزال علاقته بالفن التشكيلي أساساً علاقة واهية. ويقف وراء نجاحه قوة حضوره الثقافي الشخصي الذي حول مرسمه على مدى عقود إلى واحة استقطاب للمفكرين والمثقفين والمبدعين، وسعة معرفته، وانفتاحه على أجناس الإبداع وعلى الثقافة العالمية، وإيمانه بضرورة الثقافة، والتقاء الفنون، ووجوب ألا يكون الاختصاص الإبداعي سبباً في عزلة الفنان عن باقي أشكال الإبداع.
في تأكيده أهمية الشكل في اللوحة، وسعيه لتخليصها من تأثير الأدب، لم يصل فاتح المدرّس إلى مرحلة التجريد. فللشكل واللون عنده قيمٌ تعبيرية يجدها البديل للسرد الأدبي، وللنقل الفوتوغرافي عن الطبيعة، وللعبث التجريدي.

سعد القاسم
التاريخ: الثلاثاء 9-7-2019
الرقم: 17019


طباعة