حكاية واحدة

 

 

 

مرة جديدة يختار أيمن زيدان لمسرحيته الأحدث (التي اختتمت عروضها قبل أيام قليلة على مسرح الحمراء بدمشق) نصاً، وللدقة ثلاثة نصوص، لكاتب عالمي هو هذه المرة الكاتب الأرجنتيني أوزوالدو (أوزفالدو) دراكون، الذي يعتبر من أهم المسرحيين الأرجنتينيين، والذي تُعّد بعض نصوصه من أشهر النصوص المسرحية في القرن العشرين.
ولد أوزوالدو دراكون عام 1929 في مستعمرة زراعية ضمن محافظة (إنتري ريوس) شمال الأرجنتين، وقد تفتحت عيناه فيها على الفقر والاستغلال والاستبداد، وتكرر الأمر في (بوينس آيرس) حيث انتقلت عائلته للعيش فيها بعد تعذر استمرار حياتها الزراعية، ما لعب دوراً أساسياً في تكوينه الفكري والسياسي. وقاده شغفه المسرحي عام 1953 ليترك دراسته الجامعية وينضم إلى مسرح (فراي موتشو)، الذي عرض له عام 1956 عمله المسرحي الأول (الطاعون من ميلوس) مفتتحاً بذلك تاريخاً مسرحياً ثرياً.
عرف المسرح العربي أوزفالدو دراكون منذ الستينات حين قام الرائد المسرحي العراقي قاسم محمد بترجمة مسرحية (حكاية الرجل الذي صار كلباً) إلى العربية، وقدمها تباعاً على خشبة فرقة المسرح الفني الحديث في بغداد منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، مثيراً جدلاً كبيراً بين أوساط المثقفين والمسرحيين والمشاهدين. ومع انطلاقة المسرح الجامعي بدمشق قدم فواز الساجر عام 1975 (الرجل الذي صار كلباً) ضمن عرض مسرحي حمل عنوان (أن نكون أو لا نكون) ضم أيضاً نص (الذي لا يأتي) لرياض عصمت، ونص (بلال) لممدوح عدوان، ولقي العرض صدى واسعاً حين قُدّم في مهرجان دمشق السادس للفنون المسرحية في العام ذاته. وفي العام 1980 قدم الساجر (ثلاث حكايات) عن ثلاثية الكاتب أوزوالد دراكون وهي إضافة إلى (الرجل الذي صار كلباً): (ضربة شمس) و (حكاية صديقنا بانشو) أو (حكاية صديقنا بانجيتو غوانزاليس) التي قام قاسم حداد أيضاً بترجمتها عام 1971. وقد عرض الساجر عمله هذا في تونس ولقي ترحيباً واسعاً. وقد قدمت هذه الثلاثية العديد من الفرق المسرحية العربية، وقدم مسرح الشارقة الوطني حكايتي (الرجل الذي صار كلباً) و(بانجيتو) للمرة الأولى في مهرجان دمشق المسرحي التاسع عام 1984.
سعى مسرح (فراي موتشو)، الذي انضم إليه أوزفالدو دراكون، لبناء المسرح الوطني الشعبي عن طريق تحقيق التواصل بين المسرح المتجول والمسرح الطليعي، وبين جمهور شعبي متنوع في ثقافاته، وقد تكون هذه الحالة قد جالت في تفكير أيمن زيدان حين اختار نصوص دراكون ليبني عليها عرضه الذي عمل على أن يكون متوجهاً إلى (جمهور شعبي متنوع في ثقافاته)، كما كان حاله في عروضه السابقة، بما فيها تلك المأخوذة عن نصوص أجنبية. مستحضراً الأقنعة من المسرح الإغريقي، والفرق المسرحية المتجولة التي قدم (شكسبير) صورة بهية عنها في مسرحية (هاملت). وحالة المسرح في المسرح، والتي عُرفت بشكل واسع في تاريخ المسرح العالمي، وكانت إحدى أشهر تجلياتها العربية مسرحية (سهرة مع أبي خليل القباني) لسعد الله ونوس.
في معظم العروض المسرحية لأيمن زيدان، يبدو حريصاً على صون روح النص الأصلي، بحيث لا يقوم عرضه بإحداث إسقاطات مباشرة على الواقع المحلي أو (تبيئ) النص، أو إجراء تبديلات جوهرية فيه. وإنما يتركز حرصه على تقديم عرض مسرحي قريب من الناس بلغتهم، قادرٍ على إيصال فكرته (الإنسانية دوماً) دون التضحية بشرط الإمتاع. ولأجل هذه الغاية يتم تجيير كل شيء في العرض: السينوغرافيا، الموسيقا، التفاصيل الصغيرة الوفيرة التي تجعل العرض قريباً من المشاهدين، وتحول - في الوقت ذاته - دون نسيان أنهم أمام لعبة مسرحية. ولأجل هذا: التوجه للبساطة والاختزال في الديكور، والمبالغة الجميلة في تصميم الملابس وألوانها، والمبالغة - المحسوبة - في أداء الممثلين.
مع كل الصخب (السمعي والبصري) في عرض أيمن زيدان، فإن المشاهد لا بد أن يتعاطف بعمق مع أبطال الحكايات الثلاث، التي هي في واقع الحال تفاصيل حكاية واحدة عن الحاجة التي تدفع الإنسان لخسارة إنسانيته، بشكل أو آخر، وقد كان لأداء الممثلين الدور الأكبر في صنع هذا التعاطف. إضافة، بطبيعة الحال، إلى خطة الإخراج. وقبل ذلك النص الإنساني المؤلم الذي اختار صيغة مسرحية عبثية، ليقدم جوهر واقع الظلم والاستغلال الذي يتعرض له الإنسان في عصرنا، وقبله، والذي يتمظهر بأشكال عدة من الفاقة وندرة فرص العمل الكريم، والتمييز العنصري، والتباين المعيشي.
عودة إلى كاتب النص، ففي عام 1988 أسس دراكون مدرسة المسرح لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في العاصمة الكوبية هافانا، حيث عاش لبعض الوقت، وفي العام التالي أُعيد فتح المسرح الشعبي في بوينس آيرس بعد سنوات طويلة من الإغلاق القسري، لكن كل هذا لم يستجب لطموحه، وهو ما عبّر عنه ببلاغة إبداعية قبل وقت وجيز من رحيله حين قال:
(لقد عشت دائماً على الجزر. كوبا جزيرة، ومسرح فراي موتشو كذلك. آمل أن تكون هذه الجزر في يوم من الأيام قارة الإبداع والسحر).

سعد القاسم
www.facebook.com/saad.alkassem

التاريخ: الثلاثاء 16-7-2019
رقم العدد : 17025


طباعة