ستون ذاكرة ... خمس وستون سنة

 

 

 

 

لا يزال بيننا كثيرون ممن حضروا معرض دمشق الدولي في دورته الأولى عام 1954، ولا تزال ذاكرة كل منهم تحتفظ بعشرات الصور الممتعة والذكريات البهيجة التي بقيت تتراكم سنة إثر سنة عن تلك المساحة المليئة بالدهشة والفرح والجمال، الممتدة بموازاة نهر بردى من بابها الشرقي بجوار المتحف الحربي، إلى تخوم ساحة الأمويين، تتقدمها صور نوافير الماء المتتالية على امتداد (بردى).
رافقت نوافير بردى على الدوام نوافيرٌ وشلالاتٌ في الحدائق والساحات الداخلية، يندفع منها الماء من مجسمات نحتية بحيوية مفرحة تتضاعف بهجةً مع حلول المساء حين تسبغ عليها الأضواء الكهربائية الملونة حالة احتفالية، يستكملها صوت فيروز المتدفق من مكبرات الصوت العمودية الخضراء القاتمة الرشيقة الموزّعة في أرجاء المكان، فتخلق باجتماعها مع ألوان الأعلام الخفاقة على الساريات الشاهقة المنتشرة في أرجاء المعرض، وعلى الطرق الواصلة إليه، ومع الزهور والأشجار والمسطحات الخضراء الوفيرة ورذاذ الماء المنعش المتطاير في الهواء، تلك الخصوصية المبهجة لأواخر الصيف الدمشقي حيث «التُّرابَاتُ من طِيْبٍ ومن طَرَبٍ»، كما تقول كلمات أشهر أغاني فيروز والأخوين رحباني عن المعرض.
تحتفظ الذاكرة بصور منحوتات الفنانين السوريين ونُصبهم الجميلة المتناثرة في أرجاء المعرض تسبغ على الاحتفال البصري لمسة إبداعية رفيعة، وصورة قطار المعرض المكشوف الذي ينساب بين جموع الزوار، حاملاً معه أصوات ضحكاتهم البريئة الفرحة، وأجنحة الدول المشاركة تتنافس في عرض الأحدث والأكثر إدهاشاً بين منتجاتها، ويتسابق الأطفال للحصول على (دعاياتها) الأنيقة الملونة، فيما الكبار يتأملون باهتمام ومتعة المعروضات جميعاً من أصغرها شأناً حتى الآليات والمعدات العملاقة.
تحكي عن (سوق البيع) حلم الأطفال وغاية الكبار، حيث السلع الصينية الجميلة الملونة مطلبٌ للجميع من حزم أقلام الرصاص الجميلة، إلى ثياب الأطفال ذات الألوان الفرحة، إلى مظلات الشمس الصغيرة، لا تنافسها إلا المنتجات الغذائية السورية التي تباع بأسعار مخفضة بمناسبة هذا المهرجان، مثلها مثل المصنوعات اليدوية التي يبرع الحرفيون السوريون في صنعها أمام عيون زوار المعرض المندهشة والمستمتعة.
يمتلك مقصف المعرض الشهير فوق سطح (سوق البيع) مكانة خاصة في الذاكرة، حيث كان تناول كنافة (أباظة) النابلسية - الدمشقية الشهيرة بالنسبة لكثير من الزوار جزءاً من تقاليد زيارة المعرض، بمن فيهم بعض الأطفال الذين تغريهم نكهتها اللذيذة أكثر مما تغريهم بوظة الـ (لوكي كريم) غير المعروفة خارج مدينة المعرض حينذاك.
أما المهرجان الفني - الذي تمّ الحديث عنه بالتفصيل في الزاوية السابقة - فيكاد أن يكون حدثاً مستقلّاً، أكثر من كونه بعضاً من فعاليات المعرض.
على امتداد عمره كان معرض دمشق موسماً احتفالياً للمدينة بكل معنى الكلمة، وخلال أيامه كانت كثير من بيوت سكان دمشق تزدحم بالأقارب القادمين من لبنان والأردن والضفة الفلسطينية (قبل احتلالها) والعراق وسواها لحضور فعالياته.
كانت أيام المعرض بالنسبة لهؤلاء جميعاً أيام ترفيه ونزهة تختلف تقاليدها بين فئة وفئة، فكثيرٌ من الفئات الشعبية كانت تحرص على القدوم باكراً إلى المعرض من أجل الظفر بأحد المقاعد الخشبية، المنتشرة بوفرة حول حدائقه وبحيراته وساحاته، لتحيي تقاليد (السيران الدمشقي) ولا بدّ من إحضار قدور الأطعمة الشعبية التقليدية، وحافظات الشاي المُحلّى، والموالح والمكسرات، وتمتد تقاليد (السيران الدمشقي) إلى ساحة الأمويين التي تمتلئ بباعة السندويش وعرانيس الدرة والفول النابت وعلى امتداد ضفة بردى المقابلة للمعرض، تتحوّل المقاعد الخشبية المنتشرة عليها إلى ملاذ الناس الراغبين بالتمتع بالهواء المنعش وجمال نوافير الماء وأغاني إذاعة المعرض، التي لم يكن يقطعها إلا الإعلان عن العثور على طفل تاه عن أسرته في زحمة الناس.
ولا تكتمل طقوس زيارة المعرض بالنسبة لكثيرين دون تناول سندويش الفلافل.
وتمثل مدينة الملاهي بدورها جزءاً أساسياً من تقاليد زيارة المعرض، ومساحة للفرح والبهجة والمتعة.
كان المعرض يوفر للجميع، على اختلاف أهوائهم وعاداتهم، فرصة للمتعة سواء في العروض الفنية المميزة التي يشهدها مسرحه، والملعب المجاور للمتحف الوطني، أم في المطاعم و(الكافتيريات) المنتشرة فيه، وبطبيعة الحال في أجنحة العرض الكثيرة وقد كان لبعض الأجنحة مكانة خاصة عند الزوار كما كان حال الجناح الجزائري في أول دورة للمعرض تلت تحرر الجزائر من الاستعمار الفرنسي، وحال الجناح المصري بعد انقطاع عن المعرض استمر منذ انفصال دولة الوحدة وحتى أواخر الستينات، وحال جناح فلسطين الدائم الحضور في المعرض، والذي ارتفع الإقبال عليه مع انطلاق العمل الفدائي، وحال الجناحين الألمانيين (ألمانيا الاتحادية وألمانيا الديمقراطية) اللذين كانا يتنافسان على جذب اهتمام الجمهور بما يعرضانه من معدات وآليات ضخمة، وأجنحة الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية التي توفر للزوار الكتب والاشتراك بالمجلات الدورية بمبالغ زهيدة، وجناح (الصناعات اليدوية) الذي يجذب الزوار وأهل البلد على حدّ سواء لمشاهدة الحرفيين المهرة أثناء عملهم، وخاصة صنًاع الزجاج اليدوي.
أما الجناح السوري فكان على الدوام الجناح الأكبر في المعرض والأكثر زيارة، والأكثر تجدداً في مظهره الخارجي وتصميمه الداخلي.
لم يتبدل الطقس السنوي لمعرض دمشق الدولي حتى في سنة 1967 التي حدث فيها عدوان حزيران، وفي ذلك العام قام الفنانون بمبادرة من (دريد لحام) و(عمر حجو) بإنشاء مقهى الفنانين في مدينة المعرض، وتطوّع كثيرٌ منهم (نقيب الفنانين آنذاك أمين الخياط، خلدون المالح، نهاد قلعي، رفيق سبيعي، هالة شوكت...)، لتقديم الخدمات لزبائن المقهى الذي خصص ريعه لمصلحة المجهود الحربي.
أما بعد حرب تشرين فقد تحوّلت الساحة المجاورة للمدخل الغربي، والتي تشغلها (دار الأوبرا) اليوم إلى متحف مكشوف عرضت فيه دبابات وآليات ومعدات عسكرية وذخائر إسرائيلية غنمها جيشنا في هذه الحرب الخالدة.
كما عرضت منصتي إطلاق لصاروخ سام 2 مع ذلك الصاروخ العملاق الذي أدّى دوراً كبيراً في التصدي للطيران المعادي خلال المعارك المجيدة، بجانب حطام طائرات معادية إلى جوار شاشة كبيرة تعرض أفلاماً وثائقية عن معارك الجبهة السورية، فيما كانت شاشة سينمائية أمام الجناح المصري تعرّض أفلاماً وثائقية عن معارك الجبهة المصرية، وقد نقل هذا العتاد فيما بعد إلى متحف بانوراما حرب تشرين في المدخل الشمالي لمدينة دمشق، ولا يزال معروضاً فيه.
سعد القاسم

 

التاريخ: الثلاثاء 13-8-2019
رقم العدد : 17049