ستون في المعهد وفي الكلية 4

ثورة أون لاين _ سعد القاسم:

وإذا لم يتسع حيز هذه الزاوية على الإحاطة بالتجربة الثرية والاستثنائية للفنان المعلم محمود حماد، فإنه لن يتسع أيضاً لإيفاء تجربته الإدارية في كلية الفنون الجميلة حقها، فقد كان من مؤسسيها الأوائل وأول عميد لها، بعد انفصال قسم العمارة عنها، ويتفق الجميع على خصوصية دوره في تحديد توجه الكلية ومنحها مكانتها المرموقة. بمن فيهم العمداء الذين جاؤوا بعده، وبعضهم حكى عن طموحه في جعل الكلية كما كانت في زمن حماد.

وقد أشارت الزاوية السابقة إلى أن استياء حماد من إنهاء عمل الفنان الإيطالي غويدو لارجينا في كلية الفنون الجميلة، لم يكن بسبب تأثره بأسلوب لاريجينا كما يردد البعض، فتحولات تجربة حماد كانت سابقة لقدوم لاريجينا، حتى أن لاريجينا نفسه ينفي هذه التهمة عن حماد، ففي مقالة بالغة الأهمية تعود لعام 1965عن الفن التشكيلي السوري المعاصر وعن تجربة حماد، على وجه الخصوص كتب لاريجينا: «عندما ذهب حماد الى روما، ليدرك بصورة أوسع مفاهيم التصوير المعاصر، كانت له منذ ذاك الحين شخصيته المحددة، وقد كانت الفترة التي قضاها في أوروبا حاسمة في تكوينه الفني، فوسعت آفاقه الثقافية، بدون أن تمس أبداً شخصيته. لم يرجع حماد من إيطاليا مقلداً للتصوير الذي رآه، ولكن بقضايا فنية لا عداد لها تحتاج الى حل،كل هذا كان عملاً طويلاً ومرهقاً بتطور على مراحل، حتى توصل الى تحديد شخصيته بوضوح من خلال لغته الفنية الخاصة».

وكما سبق فإن الاستياء كان بحكم طبيعة حماد الديمقراطية الرحبة المنفتحة التي أتاحت له أن يجمع في شخصه صفات إبداعية وإنسانية وإدارية يندر أن تجتمع في شخص واحد، وقد كتب الفنان المعلم إلياس زيات في الموسوعة العربية أن محمود حماد «عاد الى دمشق (من دراسته في ايطاليا) سنة 1960 ليشارك في تأسيس كلية الفنون الجميلة وتأليف مناهجها، وقد تولى عمادتها من سنة 1970 حتى سنة 1980، فكان له نهجه المتميز في العمل و أسلوبه في توجيه القائمين على التدريس انطلاقا من ثقافته العامة الواسعة، ومعرفته الشمولية في مختلف حقول الفن التشكيلي. وكان يصوب مسار التدريس مستقطبا مختلف الطروحات بسداد في الرأي، و حنكة في الادارة، إضافة إلى أداء متميز في تدريس التصوير و الحفر لا يزال يذكره طلابه الذين تخرجوا عليه».

ولا أدق في التعبير عن مفهوم حماد للتعليم الفني مما قاله بنفسه، ففي عام 1966 أقيم معرض للفن السوري الحديث في صالة سرسق ببيروت أثار الكثير من الاهتمام الثقافي والإعلامي في سورية ولبنان. وبمناسبته نظمّت مجلة (الأسبوع العربي) ندوة لعدد من الفنانين المشاركين، اختتمها مُعّد الندوة بتكرار الانتقادات التي كانت توجه للمناهج الدراسية في كلية الفنون الجميلة. وفي أرشيف محمود حماد المحفوظ لدى ابنته السيدة لبنى نص يوضح حقيقة الأمر في رسالة وجهها حماد، ولم يكن مشاركاً في الندوة، إلى فاروق البقيلي الذي قام بإعداد الندوة ومما جاء في الرسالة:

«إن منهج شعبة التصوير في الكلية يستند بادئ ذي بدء على تعليم الطلبة الأصول الأولى للفن، ولنقل اللغة أو الألف باء مع تعويدهم منذ اللحظات الأولى على التفكير والمحاكمة.. وهذا يوضح أن المنهج يهدف إلى تشجيع شخصيات خلاقة وليس لإنتاج (كليشات) متماثله بين الشباب حتى تخرجه. فالكلية بعد هذا لا تعّلم لا التجريد ولا التشخيص ولا الانطباعية ولا الرمزية، إنما يدخلها الطالب ليطلع على أساليب التعبير عامة ويختار ما يلائمه فيتبناه، التعلم الفني لا يمكن أن يكون معادلات رياضية، و إنما هو فتح آفاق أمام الشباب ليختاروا طريقهم بكل حرية».

إن هذا المنهج الذي تبناه حماد والتزم بتحقيقه هو ما وفر الحضور المؤثر لفنانين كبار في الجهاز التدريسي للكلية خلال سنوت إدارته لها، كفاتح المدرس ولؤي كيالي وعبد القادر أرناؤوط وغياث الأخرس وميلاد الشايب وإلياس زيات ونذير نبعه وخزيمة علواني وغسان السباعي وعبد المنان شما وخالد المز وسواهم.

برغم التباين في اتجاهاتهم ومفاهيمهم الفكرية والفلسفية والفنية..


طباعة