الذاكرة والمستقبل

في مذكراته الشخصية، كتب الفنان التشكيلي ومهندس الديكور الشهير حسان أبو عياش، خريج الدفعة الثانية في المعهد العالي للفنون الجميلة (كلية الفنون الجميلة فيما بعد): «كان عدد المقبولين في فرع الديكور ثلاثة، وللأسف بعد حصول الانفصال ومغادرة مدير وأساتذة المعهد المصريين، رأت الإدارة السورية الجديدة تحويل فرع الديكور من العمارة إلى الفنون، وأضيف إلى الثلاثة ثمانية زملاء أغلبهم من خريجي الثانوية النسائية. ولم أكن مسروراً لهذا التحول، ومع ذلك استمريت في الدراسة..».
قد يبدو هذا القول مستغرباً من الذين لا يعرفون طبيعة كلية الفنون الجميلة، فما الذي يؤثر على الطالب حين يرتفع عدد طلاب صفه من ثلاثة طلاب إلى إحدى عشر طالباً وخاصة أن الرقم الأكبر يبقى صغيراً للغاية حين مقارنته بأرقام عدد الطلاب في باقي كليات الجامعة ؟.
يتعلق الأمر بجانبين: أولهما يخص الكوادر التدريسية، والثاني يخص المكان. في الجانب الأول تؤدي زيادة عدد الطلاب إلى نقص حصة الطالب من الأستاذ (إذا صح التوصيف) ففي المعاهد الإبداعية توجب العملية الدراسية أن يخصص أستاذ المادة العملية وقتاً طويلاً لكل طالب. وفي المعهد العالي للموسيقا -على سبيل المثال- يحضر الطالب درس العزف أو الغناء منفرداً، حتى بوجود طلاب غيره يتعلمون على الآلة ذاتها. وعلى الهامش: مرة كنا مجموعة كبيرة من الطلاب نعرض على الأستاذ عبد القادرأرناؤوط البروفات الأولى لأحد مشاريع الإعلان المطلوبة منا، لنحصل على ملاحظاته و توجيهه، وكان المعلم الكبير مشهوراً بـ(تأتأته) التي تعامل معها ببراعة خلاّقة. وكنا نخفي تململنا من طول وقت الانتظار، غير أن المعلم الحاضر البديهة التقط التذمر الخفي فقال بما يشبه الاستياء:
«بالنسبة لعددكم أنتم بحاجة لخمسة أساتذة، وليس لأستاذ واحد.. ومثلي.. ».
أما في الجانب الثاني فإن طبيعة الدراسة في كلية الفنون تستوجب توفر فضاء كافٍ لكل طالب مهما كان اختصاصه، حتى يستطيع تنفيذ المهمة المطلوبة منه. ولذلك فإن الشكوى من ضيق المكان في المبنى السابق للكلية لم تكن تقتصر على الطلاب، وإنما كان يشاركهم فيها المدرسون، وخاصة مع تزايد عدد الطلاب المقبولين في الكلية، وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فمنذ البداية كان هناك نوعان من الطلاب: النوع الأول الموهوبون الذين تمثل الكلية لهم المكان الذي ينسجم مع اهتماماتهم، ويتوج أحلامهم. أما النوع الثاني فهم الطلاب الذين كانت الكلية هي الفرصة الوحيدة المتاحة أمام معدلاتهم في الشهادة الثانوية، أياً كان نوعها. وقد تزايد عدد المنتمين إلى النوع الثاني والحالمين بالتسجيل في قسم الديكور على وجه الخصوص، لما يحققه لقب مهندس ديكور من تباهٍ اجتماعي، وهذا حقهم، كما هو من حقهم الحصول على مقعد جامعي، وهذا ما سأعود إليه في وقت لاحق.
من المؤكد أن ليس كل من تخرج من الكلية أصبح فناناً قديراً، والحديث لا يقتصر على قليلي الموهبة. فالأمر لا يتعلق بالموهبة وحدها، ولا حتى إن تلازمت مع الجهد الجاد، وإنما يلزم هذا الثنائي توفر فرصة التفرغ للعمل الإبداعي بعد التخرج، وهي فرصة لا تلاقي عدداً كبيراً من الخريجين الذين يجدون أنفسهم في مجالات بعيدة عن دراستهم. وسيبدو الأمر غير واقعي، بل وخيالي إلى حد ما، مطالبة الدولة بتوفير فرص تفرغ الخريجين لعملهم الإبداعي، حين يؤخذ بالاعتبار عددهم الكبير، والتفاوت الصارخ في مستوياتهم. ولكن هل يعني هذا تراجع مبررات وجود كلية للفنون؟ الجواب بالنفي حتماً، فأهمية وجود كليات الفنون، في أي بلد، هي أوسع بكثير من توفير فرص عمل، وجميع كلياتنا لا توفر فرص عمل لخريجيها، ومعظمها لا تساهم شهاداتها في إمكانية عمل الخريج بمجال دراسته.
كليات الفنون هي أحد الأوجه الحضارية لأي بلد، وهي جزء أصيل لا من بنيانه الدراسي فحسب، وإنما من بنيانه الثقافي أساساً. وللحديث تتمة..

 إضاءات- سعد القاسم


طباعة