الذاكرة والمستقبل

ثورة أون لاين _ سعد القاسم

منذ تأسيس المعهد العالي للفنون الجميلة (كلية الفنون الجميلة فيما بعد) كان القبول فيه (فيها) حلماً صعب المنال في كثير من الأحيان، رغم أن عدد المتقدمين لفحص القبول لم يكن كبيراً، وخاصة بالمقارنة مع حاله اليوم، حتى إن نحاتاً على سوية إبداعية وتقنية عالية، مثل لطفي الرمحين، لم ينجح في مسابقة القبول بالكلية، فسلك درباً آخر، وأثبتت الأيام التالية أنه يقف بين نحاتي الصف الأول في العالم.

لا أعتقد أن لطفي الرمحين حالة وحيدة، لكني أثق أن الأمر لا يتعلق بالمحاباة أو الواسطة، وإنما -وكما جاء في زاوية الأسبوع الماضي- بنظام مسابقة القبول. صحيح أن الكلية تقبل طلبات جميع المتقدمين بصرف النظر عن نوعية الشهادة الثانوية أو مجموع علاماتها، إلا أن نظام القبول فيها يعطي مجموع علامات الشهادة الثانوية دوراً مؤثراً، حيث يمكن أن يحصل طالب غير مؤهل لدراسة الفنون على علامات عالية، والعكس بالعكس، مما يؤدي إلى قبول الأول واستبعاد الثاني، فتكون الخسارة مضاعفة. وعلى هذا يبدو أن الحل يكون - مبدئياً - بتقليص نسبة مساهمة علامات الشهادة الثانوية، ولكن هل هذا يكفي؟.

 

كانت قدرة الكلية (في مبناها القديم) على استيعاب الطلاب الجدد تبلغ بصعوبة المئة وخمسين طالباً، وقد تضاعف هذا الرقم بعد انتقال الكلية إلى مبناها الحالي. لكن مشكلة أساسية لا تزال قائمة، وتتلخص في حقيقة أن القسم الأكبر من المتقدمين يرغبون بدراسة الديكور (التصميم الداخلي - العمارة الداخلية). والذي يحصل في الواقع أنه بعد سنة الدراسة العامة (وكانت فيما مضى سنتين) حيث يدرس الطلاب الاختصاصات الخمسة، ينتقلون إلى سنوات الاختصاص، ومع أخذ رغباتهم بعين الاعتبار فإن علاماتهم في الاختصاص المرغوب هي صاحبة القول الفصل. وبالمحصلة فإن معظم الطلاب الذين انتسبوا إلى الكلية بأمل دراسة الديكور سيجدون أنفسهم في اختصاصات قد لا تنسجم مع اهتماماتهم أو إمكانياتهم. وإلى هنا قد يكون الأمر مقبولاً، أما ما ليس كذلك هو أن يبقى طالب مؤهل للدراسة في أحد الاختصاصات الباقية خارج الكلية، لأنه - لسبب أو آخر - لم يتمكن من اجتياز مسابقة القبول.

ومع أخذ الاقتراحات التي طرحت لحل هذه المشكلة -ومنطلقاتها- بعين الاعتبار، فإن الحل قد يكون في تعديل نظام القبول بحيث يقوم الطالب الراغب في التقدم إلى الكلية بتحديد القسم الذي يرغب الالتحاق به. ويتم القبول وفق نتائج المسابقة المتعددة الاختصاصات التي يمكن - والحال هذا - تطويعها بما يراعي طبيعة كل اختصاص. وهذا الاقتراح سبق أن لقي تحفظات من عمداء سابقين من زاوية أنه ليس عملياً، لكن أمامنا تجربة ناجحة في المعهد العالي للفنون المسرحية، وهو يضم، ككلية الفنون، خمسة أقسام. فالطالب في المعهد يتقدم إلى قسم بذاته، ويخضع لفحص قبول دقيق وفقاً لطبيعة كل قسم، ويتم قبول الناجحين الأوائل وفق قدرة القسم على الاستيعاب. وثمة شبه بين حالة قسم الديكور في كلية الفنون، وحال قسم التمثيل في المعهد المسرحي. ففي الثاني يتقدم إلى قسم التمثيل أضعاف أضعاف عدد المتقدمين إلى باقي الأقسام، وفي النهاية يقبل في الأقسام جميعها أعداد متقاربة من الطلاب..

لكن خيبة عدم القبول تكاد تنحصر في قسم واحد.. والأهم من ذلك أن باقي الأقسام تحصل على طلاب مؤهلين للتفاعل معها، بما يحفظ مكانة الأقسام جميعاً..

 


طباعة