عمواس

مع بدايات وباء كورونا في البلاد العربية عاد اسم عمواس ليتردد في بعض الكتابات بعد غياب أكثر من ألف وأربعمئة سنة. فبهذا الاسم يرتبط واحد من أشهر الأوبئة في تاريخنا القديم وهو طاعون عمواس، الذي تذكر بعض المصادر أنه حصد في السنة الثامنة عشر للهجرة حياة نحو ثلاثين ألفا من أهل الشام بينهم عدد كبير من الصحابة، في مقدمتهم أبو عبيدة بن الجراح .

ترجع شهرة طاعون عمواس في الكتب التاريخية إلى الطريقة التي تعامل بها الخليفة عمر بن الخطاب مع الوباء، وهي من أوائل طرق تطبيق الحجر الصحي عن طريق عزل المناطق الموبوءة. فقد أمر بعدم الدخول الى هذه المناطق، وعدم خروج المصابين منها، وأوصى بالانتقال إلى الجبال بعيداً عن التجمعات لمنع تفشي الطاعون، ما أدى إلى تراجع حدة الوباء ثم زواله بعد بضعة أشهر.

عمواس اسم قرية فلسطينية يعني (الينابيع الحارة) وربما بسبب الينابيع المنتشرة حولها وأشهرها (بئر الحلوة) بجانب دير اللطرون. وهي قرية موغلة في القدم كشفت التنقيبات الأثرية عن تحصينات ضخمة فيها تعود إلى المرحلة المسماة بالفترة الهلنستية المتأخرة في النصف الأول من القرن الثاني قبل الميلاد ، ثم رممت مبانيها خلال العصر الروماني في القرن الأول الميلادي، وكان اسمها حينذاك (نيقوبوليس) أي مدينة النصر. و في مطلع القرن الماضي كانت عمواس تحتوي على آثار معمارية كثيرة منها كنيسة متهدمة، وهياكل فسيفساء، ومدافن قديمة، وقناة محفورة في الصخر، وبقايا حمام روماني، ومقامات وأضرحة مقدسة ينسب أحدها إلى الصحابي أبي عبيدة بن الجراح، فيما ينسب مقام (الشيخ معلّى) إلى الصحابي معاذ بن جبل، الذي كان بدوره ضحية هذا طاعون عمواس. إضافة إلى مدرسة من معلم واحد.

ورد اسم عمواس في الإنجيل على أنها المكان الذى ظهر فيه السيد المسيح لأثنين من تلاميذه لأول مرة بعد صلبه وقيامته، وكان هذا الحدث موضوع واحدة من أشهر لوحات رائد عصر الباروك الفنان الإيطالي كارافاجيو، ولوحته التي تحمل اسم:(العشاء في عمواس) تُصوِّر اللحظة التي يكشف فيها يسوع المُقام، لكن المتخفي، عن نفسه لاثنين من تلاميذه في بلدة عمواس يُفترض أنهما لوقا وكليوباس. وتنفرد هذه اللوحة عن لوحات وأيقونات السيد المسيح بأنها صورته دون لحية بوحي ما ورد في إنجيل مرقص «أن يسوع قد ظهر لهم في شكل آخر». وقد منح الحدث الإنجيلي البلدة شكلاً من القداسة وجعلها مقصداً لحجاج الأراضي المقدسة، (خاصة أنها تقع على مفترق طرق يوصل بين مدن رئيسية هي: رام الله والرملة ويافا والقدس وغزة). ومن هؤلاء الحجاج الصحافي البريطاني مايكل آدمز وقد تحدث عنها في تقرير نشره عام 1968 في صحيفة الصنداي تايمز قال فيه:

«..وكانت الطريق التي نسير عليها هي طريق عمواس. ولكن عندما انطلقنا بالسيارة من بيت نوبا ووصلنا إلى المنحنى الذي تقع عمواس عليه، وجدنا أن عمواس قد اختفت وزالت من الوجود تماماً. كانت عمواس على خريطة الحج التي أحملها معي.. ولكنها لن توضع على أي خريطة تصدرها إسرائيل، لأن الإسرائيليين محوا كل أثر لها».

في العام 638 لولادة السيد المسيح ابتليت عمواس بواحد من أشهر الأوبئة في تاريخنا القديم. وبعد نحو الف وأربعمئة سنة عادت لتبتلي بطاعون آخر أشد فتكاً حين شتت جيش الاحتلال الصهيوني أهلها، وغيب معالمها. إثر عدوان حزيران 1967. غير أنه كما زال الوباء القديم عن عمواس سيزول الوباء الجديد. و هذا الإيمان هو ما يدفع أهلها المبعدين عنها لإبقائها في الذاكرة عبر فعاليات لا تتوقف تؤكد حقهم الذي لم يتخلوا عنه في العودة إلى بلدتهم.مهما طال الزمن..

إضاءات - سعد القاسم

 

 

 

 


طباعة