كما عرفناه

بعد توقف(كوروني)دام بضعة أشهر، عادت(ندوة قامات في الفكر والأدب والحياة)للانعقاد مع أمسية عن فاتح المدرس، تحدث فيها الدكتور الفنان عبد الكريم فرج، والدكتور الأديب اسماعيل مروة(مدير الندوة)، وكاتب هذه السطور، عن الجوانب الفنية والأدبية والانسانية في شخصية المدرس، في قطوف من أبحاث ستنشر في كتاب خاص عن الندوة، تتضمن-فيما تتضمنه- خواطر عن علاقة فاتح المدرس مع طلابه.

في سنتنا الدراسية الثالثة-وهي سنة الاختصاص- صار اللقاء مع المدرس أكثر تكراراً بحكم إشرافه على قسم التصوير (الزيتي)الذي انتسبت إليه. كنت مثل زملائي أحرص على الاستماع إليه أكبر وقت ممكن. لم يكن حديثه يقتصر على البناء التشكيلي للوحة أو تقنيات صنعها، فذلك كان يشغل حيزاً صغيراً من اهتمامه، أما الحيز الأكبر فكان لمفاهيم الفن الكبيرة، ودوره في الحياة، ذلك الموضوع الذي ظل هاجس فاتح الدائم. أما ملاحظاته التدريسية فكانت تقتصر على عبارات سريعة مقتضبة إحداها:«احذروا الأخضر» وكان علينا أن نكتشف من خلال تجاربنا الخاصة أي خطر يحمله الاستخدام الخاطئ لذلك اللون الوفير في الحياة، ولم يكن اكتشاف ذلك سهلاً.

ويُقام معرض فردي له في المركز الثقافي الألماني فيكتظ بالحضور كالعادة ونتوقف، مجموعة من طلابه، عند لوحة مستوحاة من اللوحة الشهيرة للأب الروحي للمدرسة الانطباعية ادوار مانيه (الغذاء على العشب)، مكرراً بذلك مبادرة بيكاسو الذي أعاد تصوير لوحة مانيه بطريقته، كتحية للفنان الذي واجه بشجاعة عداء التقليديين لتجربته الرائدة. اللون الأخضر يحتل معظم مساحة لوحة المدرس، وأقول مازحاً لزملائي: لنسأله عن الأخضر هنا ما دام يحذرنا منه دائماً، ويستهجن الجميع الفكرة فكيف لطالب في سنته الاختصاصية الأولى أن يوجه سؤالاً كهذا، ولمن؟ لفاتح المدرس؟!

يلفت تجمعنا انتباه الأستاذ فيتجه نحونا يسألنا عن انطباعنا عن المعرض، ولا أعلم ما الذي يدفعني لأسال في تحفظ خفي عن طغيان الأخضر في تلك اللوحة. وتتحول دهشة الزملاء المستنكرة إلى مفاجأة حين يجيب المدرس دون أدنى انفعال: معك حق...اللون هنا تجاري وكأنه إعلانات السينما !!

لم تكن الدهشة والمفاجأة بالنسبة لي أقل من زملائي لكن إحراجي كان أكبر بكثير، كنت مقتنعاً في قرارة نفسي أن نقده الحاد للوحته هو شكل من التواضع، ودرس آخر يعطينا إياه في أسلوب التعامل بين النقد والإبداع. كنت مسكوناً بشعور من عليه اصلاح موقف صعب وضع نفسه فيه، فاستدرت نحو أربع لوحات وجهية صغيرة في جانب قصيّ من المعرض معبراً عن إعجابي بها، وكان عليّ أن أدهش ثانية حين لف المدرس يده على يدي مصطحباً إياي نحو تلك اللوحات ليسترسل أمامها في حديث طويل عن الشبه بين لون وجه الإنسان ولون تراب الأرض، وعن الجمال السري الذي على الفنان اكتشافه في كليهما.

لا أستطيع أن أصف بدقة مشاعري في تلك اللحظة التي خصني فيها الأستاذ بحديثه، وحوله الكثير من الأشخاص الهامين الطامحين لبضع كلمات معه. ربما كنت أشعر بمزيج من الفخر والخجل، أو بأنني التقطت (الشيفرة) التي أستطيع بها قراءة أعماله. ربما كان هذا أو ذاك أو كلاهما، لكن ما هو أكيد أنه منذ تلك اللحظة صار لفاتح المدرس مكانة تتنامى في نفسي، أكبر من الحيز الذي يشغله أستاذ أو فنان كبير.

إضاءات - سعد القاسم


طباعة