رحلة الجماجم

بعد أكثر من مئة وسبعين سنة على احتجازها، ونحو ستين سنة على المطالبة بها، استعادت الجزائر مطلع هذا الشهر (رفات) أربعة وعشرين من أبنائها, استشهدوا خلال مقاومة القوات الفرنسية الغازية منذ مئة عام، وبينها (رفات) الشهيد المصري موسى الدرقاوي الذي شارك الجزائريين مقاومتهم، واستشهد عند تفجير بيت أستاذه الشيخ بوزيان في تشرين الثاني (نوفمبر) 1849 على يد الجنرال الإرهابي أميل اربييون.

وإذ نضع كلمة رفات بين قوسين، فلأنها لا تمتلك الدقة الكافية، فما تم استعادته هي جماجم الشهداء فحسب. ذلك أن جنود الاحتلال بتعليمات من قادتهم - وأحدهم الجنرال ايربيون- كانوا يعمدون إلى التمثيل بجثامين الشهداء (سواء أكانوا سقطوا في القتال أو قتلوا بعد أسرهم) ومن ثم يقومون بقطع رؤوسهم التي اعتبروها غنائم حرب. وحيث إن الغزو الاستعماري كان يروّج لتراتبية (حضارية) بين الأعراق والأجناس، ويسعى لتعميم انطباع علمي زائف حول ذلك، فقد بُرّر نقل جماجم المقاومين إلى فرنسا بأنه لمعرفة سبب ممانعة هؤلاء المقاومين (دخول الحضارة)!! واستجابة للرغبة في فهم (لماذا لا يفهمون)؟.. وفق تعبير مؤرخ فرنسي ولد في الجزائر. وهو تعبير يلتقي مع حديث الصحفي لويس أدريان بيربروغر - المقرب من الحاكم العام ويوصف بأنه عالم آثار واختصاصي بالمصادر المكتوبة (فيلولوجيا) وقد كان في الواقع بمثابة المُنظّر والعرّاب للغزو الفرنسي، وعنصراً منه - حين يقول عن أحد قادة المقاومة الشعبية: «سيرته مهمة لفهم كيف يبرز ويتطور مثل هؤلاء المتشددون الذين يثيرون البلد بصورة دورية. أناس لديهم قدرة على الخداع والإقناع بجرعات متساوية إلى درجة أننا لا نعرف كيف نسميهم»!!.

بعد عشرات السنين، (وُهبت) هذه الجماجم من قبل أطباء عسكريين (يطمحون لتوسيع المعرفة بالتنوع البشري) إلى متحف الإنسان التابع للمتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي في باريس، لتكون من أصل 18 ألف جمجمة من كافة أرجاء العالم موجودة في المتحف، لم يتم التعرف على هويات أصحاب الجزء الأكبر منها. وقد بقيت معروضة للجمهور حتى نهاية 2015، حين اتخذ مدير المتحف قراراً بمنع عرض هذه الجماجم احتراماً لرفات بشرية تم التعرف على أصحابها، من خلال جهود باحثين جزائريين مقيمين في فرنسا، وعلى هذا الأساس تعهد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زيارته إلى العاصمة الجزائرية في أواخر عام 2017 بإعادة جماجم المقاومين الجزائريين المحفوظة، وقد سلم المتحف لائحة إلى قصر الاليزيه بإحدى وأربعين جمجمة، ثبت أنها من الجزائر، تضم جمجمة الشيخ بوزيان قائد ثورة واحة الزعاطشة بشرق الجزائر في 1849، وقد أسره الفرنسيون وأعدم رمياً بالرصاص وقطع رأسه، وأخرى لأحد مساعديه الشهيد المصري موسى الدرقاوي، وثالثة لابنه. وهناك أيضاً جمجمة محمد الأمجد بن عبد المالك الملقب (الشريف بوبغلة) الذي فجر ثورة شعبية واستشهد عام 1854. وبعض مظاهر عنصرية الغزاة تتجلى باحتواء متحف الإنسان على ستة جماجم لجزائريين توفوا بأمراض، رغم أنهم قاتلوا في صفوف الجيش الفرنسي.

خلال حملته الانتخابية الرئاسية، أثار ماكرون عاصفة حين وصف استعمار فرنسا للجزائر بأنه «جريمة ضد الإنسانية». وكان محقاً بذلك إذ لم يدع الفرنسيون وسيلة تنكيل وتعذيب بحق الجزائريين إلا ارتكبوها: من الصعق الكهربائي، إلى استخدام الآبار المائية كسجون، وإلقاء المعتقلين من الطائرات، ودفن المقاومين أحياء في الأسفلت المغلي، إضافة لمحاولات طمس لغة الجزائريين، وتدمير مدارسهم وهويتهم، ونهب خيراتهم وحرق محاصيلهم. وفي إطار هذا الموقف قام ماكرون أواخر عام 2018 بزيارة منزل موريس أودان، وهو فرنسي شيوعي ناضل من أجل استقلال الجزائر، وتم خطفه وقتله تحت التعذيب عام 1957 بأمر من الجنرال المجرم أوساريس، حيث سلم لزوجته جوزيت (87 سنة) وولديها، بياناً أكد فيه «أن فرنسا أقامت خلال حرب الجزائر (1954 - 1962) نظاماً استخدم فيه التعذيب، وأدى خصوصاً إلى وفاة المعارض الشيوعي موريس أودان»، وعدت هذه الخطوة شجاعة فيما يخص ماضي فرنسا الاستعماري بالجزائر، تستكمل ما قاله ماكرون في شباط (فبراير) 2017 بأن الاستعمار الفرنسي كان جريمة تستحق الإدانة، ومن الواضح أن ما قاله كان لكسب أصوات العدد الكبير من الجزائريين أصحاب الجنسية الفرنسية، وقد فهم الجزائريون من كلامه يومها أنه مستعد لتقديم الاعتذار عن هذه الجريمة الاستعمارية في حال أصبح رئيساً. لكن هذا لم يحصل، ولذلك اعتبر جزائريون أن اكتفاءه بتقديم الاعتذار عن جريمة القتل البشعة لمعارض فرنسي دليل آخر يظهر حقيقة العنصرية الفرنسية، وخاصة أن الحديث لا يتجاهل أكثر من مليون شهيد قضوا ما بين عامي (1954 - 1962) فحسب، وإنما أيضاً ملايين الشهداء الذين قتلوا منذ بداية الغزو الدامي للجزائر.

إضاءات - سعد القاسم


طباعة