فن ونقد.. أيضاً

 

عودة إلى حديث الفن والنقد، فعلى الرغم من تواضع الشريحة التي تهتم بالفن التشكيلي، وهي تقتصر غالباً على الفنانين وبعض المثقفين والمتذوقين وأصحاب صالات العرض، ويقف خارجها- في أوقات كثيرة- تجار الأعمال الفنية، على الرغم من ذلك فإن الحديث عن علاقة النقد بالفن لم يتبدل منذ عقود عدة راكم فيها الفن التشكيلي العربي، في مختلف حواضره، تجارب غنية ووفيرة ولكن علاقته مع جمهوره ظلت تشكو الوهن معظم الأحيان، وكثيراً ما اتهم النقد بالمسؤولية عن ذلك.

أول أسباب هذا الوهن أن تطور الفن العربي كان نتيجة محاولته محاكاة الفن العالمي (الغربي) لا نتيجة تطور ثقافة مجتمعه وذائقة جمهوره، وفي هذا الإطار ظهرت في التجارب الفنية الأولى الاتجاهات الأوروبية المنتشرة حينذاك، وخاصة الواقعية الطبيعية والانطباعية مع حرص على اعتماد الموضوع المحلي في محاولة توفيقية بقيت موضع نقاش دائم، وفي وقت تالٍ ظهرت في التجارب التشكيلية العربية الاتجاهات التي تسعى للتأصيل عبر إعادة وصل الفن العربي الحديث بجذوره القديمة، إما بالعودة إلى تراث الفنين المسيحي والإسلامي، أو بالعودة إلى التراث الفني للحضارات القديمة التي قامت على الأرض العربية. وبدخول اتجاهات التجريد والاتجاهات التعبيرية ساحة الإبداع التشكيلي العربي في العقود الوسطى من القرن العشرين، صارت الخلافات الفكرية في الرؤى الفنية، وحول الفن، تشكل حجة لشرائح اجتماعية واسعة تقف موقف الرافض للفن التشكيلي بمجمله معتبرة أن في اتجاهاته الواقعية ما يتعارض مع مفاهيمها الثقافية، و في اتجاهاته التعبيرية و التجريدية ما هو عصي على الفهم، وبالتالي فهو غير مبرر، وغير مقبول. وفي حين تمتلك الكثير من التجارب الفنية العربية المعاصرة، وبعض تجارب الفنانين الشباب، أهمية إبداعية و فكرية كبرى، فإن الفجوة التي تفصل الفن التشكيلي العربي المعاصر عن جمهوره تبدو إلى اتساع، وتزداد بالتالي أسئلة الهوية والعلاقة بالمحيط والانتماء وصولاً للسؤال الأهم حول امتلاك الفن التشكيلي العربي لهوية ثقافية واضحة، وهو سؤال يزيد صعوبة الإجابة عليه ابتعاد التجارب التشكيلية العربية عن الحوار (البيني) وضعف معرفة الجمهور في بلد عربي بالإنتاج الإبداعي التشكيلي العربي في بلد آخر.

من ناحية ثانية ولكل ما سبق ما زال مفهوم النقد لدى الكثيرين مفهوماً مشوشاً يكاد يلامس التهجم والتجريح، فما إن يحصل حوار بين نقاد أو فنانين حتى يثير حماسة قطاعات واسعة من الوسط الثقافي، ولو كانت تجهل كل شيء عن المسألة موضوع الحوار ولا أقول الخلاف، وتجد من يدلي بدلوه في الحوار وكأنه معركة فينحاز إلى هذا الجانب أو ذاك، وبالنتيجة يفقد الحوار الكثير من معانيه أو أهميته ويبقى طاغياً عليه شكل الخلاف الشخصي لا أكثر.

ومن ناحية ثالثة ساهم التسارع الكبير في ظهور تيارات وتجارب جديدة في مرحلة (ما بعد الحداثة) التي نعيشها في تنامي المشكلة، فقد تبددت إمكانية ايجاد مرجعية نقدية تحدد ما هو فن وما هو ليس كذلك، ضمن حالة عالمية تكرّس الفوضى عبر التأكيد على الحرية الفردية المتطرفة واعتبار أن الفن هو ما يرى صاحبه أنه كذلك.

هي ثلاثة أسباب أساسية من جملة أسباب، ودون تبدلها لا يمكن للعلاقة بين النقد والفن أن تتبدل، وبين الفن والجمهور أن تتطور.

إضاءات- سعد القاسم


طباعة