بعد فوات الأوان..

 

تمدد على سرير العيادة النفسية حزيناً يائساً وهو يشكو للطبيب مشكلته التي جاء بأمل أن يجد عنده علاجاً لها. قال:

- لدي صوت قبيح ويفتقد الإحساس والتعبير.. وأنا أفتقر للأداء المقبول ولا أعرف علوم الموسيقا وأصولها. كما أني لا أتقن اللغة ولا أحسن لفظ الحروف والكلمات.. وفوق ذلك كله ليس لدي حضور مناسب..

أجاب الطبيب ببساطة:

- المشكلة محلولة.. ما دمت تعرف هذا لا تغني..

فإذا بالمريض يصيح متألماً:

- لا أستطيع فأنا مطرب مشهور!!

يفترض أنها طرفة. ولكن..

كم في الواقع ما يشبهها.. كم من الأسماء كرّسها التكرار وضعف معرفة، أو ضعف محاكمة، المتلقي ؟..

فيما مضى كان تكريس اسم ما يحتاج علاقة (محظوظة) مع صحيفة واسعة الانتشار، أو محطة إذاعية مسموعة بوفرة، أو قناة تلفزيونية مشاهدة بكثرة لتكريس هذا الاسم، وإسباغ صفات ومهارات وكفاءات، قد لا يملك منها شيئاً. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي صار الأمر (أهون) بكثير. مريض الطرفة هو واحد من قلة تمتلك جرأة الاعتراف، ولو بأضيق الحدود، وفي المقابل فإن كثيرين ممن يشكو منهم خلاء روحهم وفكرهم ومعرفتهم، تنتشي نفوسهم لسماع كلمات التقدير الزائفة إلى حد تصديقها والتشبث بها.

مرة قرر موظف إداري صغير (وظيفة وثقافة) أن يصبح كاتباً صحفياً فأحضر إلى هذه الصحيفة مقالة عن السيف الدمشقي تتضور من شح المعلومات، وذيّلها بلقب الكاتب فلان. وللمصادفة كان حاضراً صحفي عريق شغوف بالتراث العربي، ومتعمق فيه، فاستفزه جهل (الكاتب العتيد) مما دفعه لتنبيهه إلى ضعف وعدم صحة ما جاء في مقالته فلم يجد الكاتب جواباً سوى الانسحاب، ولكنه أيضاً لم يجد مبرراً لإعادة النظر فيما كتب، أو البحث الجدي فيه، وإنما قام بإرسال مقالته (الشوهاء) إلى مجلة عربية مرموقة. وللمفارقة فقد نشرتها المجلة على ما هي عليه.. والأسوأ أن الموظف الطموح قد أضاف فيها إلى صفاته لقبي الباحث والروائي!!

والقصة لم تنته هنا فقد كان لها تتمتان. الأولى بعد بضعة أيام من صدور المجلة المتضمنة المقالة إياها حين التقى صاحبها (المقالة لا المجلة) مصادفة مسؤول النشر الذي رفض المقالة فحدثه بتباه كيف أن مجلة عربية مرموقة نشرت مقالته التي رُفضت هنا، فما كان من مسؤول النشر إلا الإجابة بكلمتين مواربتين: كلنا نخطئ.

والتتمة الثانية كانت بعد بضع سنوات خلال زيارة للمجلة العربية ذاتها قام بها مسؤول النشر ذاته فحدثه مدير تحريرها عن تلك المقالة التي أخطأت المجلة بنشرها.. وكان من تبعة ذلك عدد كبير من الانتقادات التي وجهت لإدارة التحرير، وعقوبة بحق المحرر الذي سمح بنشر مقالة بهذا المستوى من الرداءة.

المحرر الذي تصرف بإهمال أو استهتار أو ضعف كفاءة نال جزاءه. لكن ماذا عن (الكاتب والباحث والروائي) وقد صار منتفخاً بالوهم. من يعيده إلى حجمه الحقيقي بعد أن استمرأ حاله الجديد؟ ومن يتحمل مسؤولية انتشار المعلومات المشوهة فيما ينشر ؟..

وإذا كانت الصحافة العربية قد كرست الكثير من هذه الأسماء المدعية باستسهالها النشر لأشخاص لا تعرف شيئاً عن كفاءاتهم (إذا أحسنا النية)، أو لتعميم أسماء هزيلة على حساب التعتيم على قامات حقيقية (إذا توخينا الحقيقة!!) فإن دور المحطات التلفزيونية كان - وما زال - أخطر وأكبر، رغم المنافسة الإلغائية التي تتعرض لها من الفيس بوك وأقربائه وأنسبائه.

إضاءات- سعد القاسم


طباعة