عن الشريفين

 

 

في موسمها الثالث منتصف هذا الشهر كرّمَت الأيام التشكيلية السورية ذكرى الناقد طارق الشريف الذي رحل عن دنيانا مطلع عام 2013 بصمت هو النقيض المطلق لحيوية ملأت معارض وملتقيات الفن التشكيلي، وكتابات نقدية وبحثية كانت شاغلة التشكيليين ومالئة فضائهم.

ولد طارق الشريف في دمشق عام 1935 ودرس الفلسفة في جامعتها حيث تعلق بالدراسات الجمالية والفنية، وتابع آراء كبار الفلاسفة في مجال علم الجمال والنقد الفني أمثال كانت وهيغل وسارتر، وفي الوقت ذاته، تابع المعارض الفنية المحلية، وأقام صلة وثيقة مع عدد من الفنانين التشكيليين السوريين أصحاب التجارب المميزة كالشقيقين أدهم ونعيم إسماعيل، وعبد القادر أرناؤوط، ومروان قصاب باشي وسواهم.. فبدأ يكتب عن تجاربهم بتطبيق الدراسات النظرية على لوحاتهم وينشر مقالاته وترجماته في صحيفة الوحدة (صحيفة الثورة حالياً) والتي حقق فيها سابقة غير مألوفة حين خصصت له صفحة كاملة لندوة أعدها عن معرض الخريف، المعرض الرسمي الذي كان يقام في دمشق سنوياً.

في عام 1959 نال درجة الإجازة في الفلسفة، وفي العام التالي عمل في وزارة الثقافة المؤسسة حديثاً ليبقى فيها حتى تقاعده عام 2001، وفي مرحلة تالية تركز اهتمامه حول الاتجاهات الراهنة في الفن التشكيلي السوري أواخر الستينات، وسعي التجارب الرائدة للموائمة بين التأثيرات الغربية المعاصرة، والإرث الفني المحلي، وتجلى هذا في كتابه (عشرون فناناً من سورية) الذي أنجزه عام 1969 وصدر عن وزارة الثقافة عام1972 متضمناً مقالات عن عشرين فناناً كتبها بين عامي 1967و1968. وفي الوقت ذاته تابع بحثه حول بدايات الفن التشكيلي السوري حيث أسس لمحاولته الرائدة لتأريخ هذا الفن، ونشرها مطلع الثمانينات فكانت مستنداً لمعظم الأبحاث والدراسات التي جاءت بعدها.

عام 1965 تولى إدارة مركز أدهم إسماعيل للفنون الجميلة، وعلى مدى عشر سنوات استطاع أن يجعل منه حاضنة للمواهب الشابة التي اكتسبت فيه المعارف التقنية، ونمو مواهبها الإبداعية، وثقافة فنية هامة بفضل المحاضرات التي قدمها للطلبة عن المدارس الفنية. وإثر رحيل الفنان نعيم إسماعيل تولى مهام مديرية الفنون الجميلة في واحدة من أزهى مراحل الحياة التشكيلية السورية حين كانت السيدة الدكتورة نجاح العطار ترأس وزارة الثقافة، وتقدم للفن التشكيلي دعماً واسعاً واهتماماً كبيراً، فكان أن وصل المعرض السنوي إلى ذروة تألقه وترجمته للمشهد التشكيلي الإبداعي السوري، وكان أن اتسعت حركة المعارض والملتقيات والاقتناء، وكان أن صدرت فصلية (الحياة التشكيلية) ونالت سمعة عطرة على امتداد الوطن العربي، وقد قامت بشكل مطلق على جهده الشخصي كأول رئيس تحرير لها.

وقبل عد أيام مرت الذكرى الثامنة لرحيل الأديب والباحث الموسيقي صميم الشريف الذي تعددت مجالات اهتمامه الأدبية والفنية والاجتماعية، لكن الموسيقا كانت أميزها، فقد امتلك ناصيتي المؤرخ والناقد القدير: ثقافة تخصصية واسعة وعميقة تتجدد باستمرار، وذائقة موسيقية مرهفة وخبيرة تبرع في التقييم والمقارنة، ولأن الأمر هكذا فقد امتلكت كتاباته الموسيقية غنىً معرفياً، ومصداقية عالية، لم يطلها يوماً انتقاد جدي، ولا استطاعت أن تتطاول عليها أحاديث نميمة دارت دائماً في الخفاء دون أن تجرؤ مرة على ملاقاة الضوء.

آمن صميم الشريف بالموسيقا كأحد الأشكال الأرقى للإبداع البشري، وكعلم يحتاج الجدية والمعرفة والمثابرة، فكان إلى جانب عشقه واهتمامه بالموسيقا الشرقية والأغنية العربية نصيراً قوياً للموسيقا العالمية ومناهجها التعليمية، وبقدر ما قدم مساهماته الثرية في تقييم وتوثيق الإبداعات الموسيقية والغنائية في البلاد العربية، كان صلة الوصل بين الجمهور والموسيقا الكلاسيكية العالمية من خلال مقالات غنية بالمعلومة والتحليل رافقت معظم الحفلات الموسيقية الجادة، وخاصة حفلات فرق المعهد العربي للموسيقا، ومن ثم حفلات الفرقة السيمفونية الوطنية.

كان للإذاعة والتلفزيون حظ وفير من عطائه الإبداعي والمعرفي والإعلامي، فقد أنجز لهما العديد من البرامج الهامة وأجرى لصالحهما مقابلات فريدة مع قامات الموسيقا والغناء العربيين، وفي برنامج (من ذاكرة التلفزيون) أشهر برامجه التي لقيت ترحيباً واسعاً من الجمهور التلفزيوني قدم مختارات منتقاة بدقة من المواد التي عرضها التلفزيون في سنواته الأولى وصولاً لمرحلة البث الملون ويصعب إدراك الجهد الذي كان يبذله لإنجاز كل حلقة من هذا البرنامج، إلا حين نعلم أن معظم المواد التي كان يقوم بإحيائها مسجلة على أشرطة لم تعد قابلة للاستعمال مع تبدل تقنيات العرض التلفزيوني، وأنها لم تكن منسقة بما يساعد على معرفتها والوصول إليها بسهولة، فكان الأمر يعتمد كلياً على ذاكرة الراحل.

يقول مثل كندي «المقابر مليئة بأناس لا يمكن الاستغناء عنهم».. صحيح أن في هذا القول انتصارٌ لاستمرار الحياة، لكن فيه أيضاً استخفاف بقيمة البشر وتمايزهم لأن بينهم من لا يعوض، و طارق وصميم الشريف من هؤلاء.

إضاءات - سعد القاسم

 


طباعة