العودة الى المرسم

 

تخطى الفنان التشكيلي القدير أدوار شهدا الأزمة الصحية التي فاجأته (وفاجأتنا) واستوجبت عملاً جراحياً سريعاً في القلب تكلل -والحمد لله -بالنجاح.

وكما هو الحال في كثير من الوقائع الصعبة، لم يعدم هذا العارض الصحي وجهاً خيّراً تجلى في تأكيد ما يملك أدوار من حب وتقدير رحبين لدى الأقرباء والأصدقاء والمعارف، والكثير الكثير من الأشخاص الذين لم يلتقوا به يوماً، لكنهم أعجبوا بتجربته الفنية الثرية، أو وصلهم ما يتسم به من خصال نقية، خاصة أن فرصة التعبير (القاسية) عن تلك المشاعر تلت حضوراً إعلامياً استثنائياً ونادراً قبل وقت قصير، بدأ بتكريمه في افتتاح الموسم الثالث لأيام الفن التشكيلي السوري، ومن ثم مشاركته، والفنان أكثم عبد الحميد، في إحدى محاضرات الموسم مما أتاح لطلبة كلية الفنون الجميلة- خاصة- الالتقاء بواحد من أهم قدامى كليتهم الذين شهدت مراسمها وقاعاتها تميزه الإبداعي والثقافي حتى تخرج منها عام 1976 بدرجة امتياز شرف.

بدأ إدوار شهدا التعبير عن موهبته الفنية مع مطلع حياته، حيث كانت صور مدينته حماه بنواعيرها الشهيرة وبساتينها ذات اللون الأخضر النقي، ومياه العاصي التي تغري فتيانها بالسباحة تدعوه لرسمها، وتقدم له مواضيع لوحاته التي امتازت منذ وقت مبكر بسلامة بنيانها التشكيلي، ومتانة خطوطها، وغنى اللون فيها، وسرعان ما قرر الفتى الموهوب تنمية معارفه الفنية فانتسب إلى مركز سهيل الأحدب للفنون التشكيلية في حماه ليكتسب على مدى عامين خبرة منهجية، كان لها أن تشهد بعد ست سنوات خطوة تالية أكثر تقدماً بالتحاقه بكلية الفنون الجميلة في دمشق.

عمل إدوار شهدا بعد تخرجه مهندساً للديكور في مؤسسة الإسكان العسكرية حيث ساهم بعدد من مشاريعها الهامة ومنها مشروع دار الأوبرا دون أن يتوقف عن عمله الإبداعي، بل أن المؤسسة ذاتها قد شهدت أحد معارضه الفردية المتميزة، ومبادرته الخلاقة في إقامة معرض للفنانين العاملين فيها استضافته صالة الشعب بدمشق، أما على صعيد هويته الإبداعية فقد انحاز منذ البداية إلى الأسلوب الواقعي، وهو ما جعله في بعض الأوقات خصماً لكثير من تجارب الفن الحديث المتطرفة في التجريب، والتغريب، لكن هذا لم يمنعه من تقبل طيفٍ واسعٍ من التجارب الفنية القديمة والحديثة التي لا تلتقي مع أسلوبه، كما لم يمنعه من تطوير مفهومه الشخصي للواقعية، خاصة بعد أن درس بين عامي 1991 و1992 في مرسم (اناتولي كلانكوف) بروسيا.

ساعدته ثقافته الثرية والعميقة واسعة الطيف، وشغفه بالموسيقا الكلاسيكية خاصة، على منح تجربته قيمة فكرية وثقافية واضحة، وتناغماً بصرياً، إضافة إلى قيمتها الإبداعية التي بقيت تنمو دون توقف، وقد ساهم هذا في تحول أسلوبه تدريجياً من الواقعية إلى التعبيرية، عابراً في تحوله هذا محطات عدة، امتلك في كل واحدة منها خصوصية مميزة وممتعة، ضمن الإطار الأساسي لتجربته بأكملها المتسم أساساً بقوة التعبير، وغنى اللون، وهما بعضاً من أشياء عدة تجعل من إدوار شهدا واحداً من أهم الأسماء على الساحة التشكيلية السورية التي وإن كانت تفتقر إلى حضوره الإعلامي، فإنها لا تفتقد حضوره الدائم في معارضها وملتقياتها وندواتها كمشارك وكمشاهد، وهو حضور حليف للدماثة والصدق والعمق والتواضع والبعد عن التباهي حتى حدود الخجل، ومن أحدث ما جرى في هذا الإطار محاولته الجادة التنصل من تكريمه في افتتاح أيام الفن التشكيلي السوري أمام إصرار لجنة الاحتفالية التي اضطرت إلى إلقاء الورقة الأخيرة في جعبتها، إنه ليس تكريماً تستحقه فحسب، وإنما تأكيد على مصداقية المناسبة.

إضاءات- سعد القاسم


طباعة