لأول مرة

ضمن احتفال إذاعة دمشق بعيدها، استضافنا الزميل فؤاد بكرو أنا والزميل حسام دولي في حوار عن مجلة الإذاعة، التي عُرفت بداية بهذا الاسم، ثم أصبحت (هنا دمشق) وبعد ذلك (فنون) وأخيراً أعادها الزميل حسام إلى اسمها الأغلى (هنا دمشق) قبل أن تتوقف عن الصدور نهائياً، ومع أني كثيراً ما كنت ضيفاً في برامج الإذاعة مع إعلاميين أجلّهم، فقد سعدت بشكل استثنائي بهذا اللقاء الأحدث، لأنها المرة الأولى التي تحتفي بها الإذاعة بمجلتها (المتوقفة) التي واكبتها على مدى نحو سبعين سنة، سواء قبل وجود عيد للإذاعة أم بعده، و لم يحدث أن أشير يوماً إلى المجلة، مع أنها جديرة بالإشادة.

صدر العدد الأول من مجلة الإذاعة السورية بتاريخ الأول من أيلول (سبتمبر) عام 1953 وعلى غلافه صورة أخرجها المصور الشهير (أزاد) وجعلها بالحجم الطبيعي للأمير يحيى الشهابي يتحدث في ميكرفون الإذاعة أمام كرة أرضية ضخمة احتلت يومذاك ركناً في أول أستوديو للإذاعة أُنشئ في معرض دمشق الدولي، وعرّفت المجلة بأنها تصدر عن دار الإذاعة السورية، مديرها المسؤول الأستاذ أحمد عسه ورئيس تحريرها الأستاذ سعيد الجزائري، وورد في افتتاحيتها: (سياسة هذه المجلة نشر الكثير، الكثير مما لم يذع ولم ينشر، لهذا فإن سماع برامج الإذاعة السورية لا يغني عن قراءة مجلة الإذاعة).

في نهاية الخمسينيات أصبح اسم المجلة (هنا دمشق) وتحتها عبارة إذاعة وتلفزيون الجمهورية العربية المتحدة، دون أن يجري أي تعديل على تسلسل أرقام أعداد المجلة، كما بقي سعيد الجزائري رئيساً للتحرير حتى شباط (فبراير) 1967 حين أوقفت المجلة دون أي سبب منطقي، واستمر هذا التوقيف حتى عام 1976، حين صدر العدد الأول من (هنا دمشق - مجلة الإذاعة والتلفزيون) في 16 نيسان (أبريل) 1976، وتتالى على رئاسة تحريرها: منيف حسون وحسين راجي وهاني الحاج، إلى أن توقفت عن الصدور عام 1987، وأيضاً دون أي سبب منطقي.

في الخامس من آب (أغسطس) 1991 صدرت المجلة باسم (فنون) ورأس تحريرها الإعلامي والكاتب جان الكسان لأربع سنوات تالية، ثم تلاه كاتب هذه السطور، وفي عام 1998 احتفت المجلة بالذكرى الخامسة والأربعين لإصدار مجلة (الإذاعة السورية) وأخذت اعتباراً من العدد التالي الصادر بتاريخ 10 ايلول (سبتمبر) ترقيماً جديداً يستند إلى مجموع الأعداد الصادرة من المجلة منذ صدورها الأول، وبدءاً من منتصف عام 2003 تتالى على رئاسة تحريرها الأديب أحمد يوسف داود، فالإعلاميون غسان كلاس وسعد القاسم (للمرة الثانية) وحسام دولي، إلى أن أوقفت عن الصدور للمرة الثالثة عام 2009.

لم يكن توثيق تاريخ المجلة بالأمر السهل، بما في ذلك توثيق تاريخ صدور العدد الأول من مجلة (الإذاعة السورية)، ذلك أن هذا العدد لم يتضمن تاريخ صدوره لا على الغلاف ولا على الصفحات الداخلية، وهو ما تسبب بعد ذلك بشيوع خطأ استمرّ سنوات حين ذكر في ترويسة مجلة (هنا دمشق) أنها تأسست 1954 واستمر هذا الخطأ الشائع إلى أن تم تصحيحه في العدد الخاص، المشار إليه أعلاه، الصادر بمناسبة مرور 45 سنة على تأسيس المجلة حين توقع الزميل المرحوم ثائر سلوم - الذي أعد الملف الوثائقي للمجلة - أن تاريخ صدوره كان إما في الشهر الثامن أو الشهر التاسع من عام 1953. وفقاً لما جاء في مواد ذلك العدد، ومن ثم بيّن د. موفق أبو طوق في عدد لاحق أن تاريخ صدور العدد الأول كان في الأول من أيلول (سبتمبر) 1953 استناداً إلى جدول برامج الإذاعة المنشور في العدد ذاته، وفيما بعد أكد الأمير يحيى الشهابي هذا الأمر في رسالة بعث بها إلى المجلة.

من غير الممكن حتماً استعراض أسماء من كتب في المجلة في أكثر من ألف وخمسمئة عدد، ولكن يمكن القول أنهم من كبار الكتًاب والفنانين والإعلاميين السوريين والعرب، كما يمكن القول أيضاً أن الألف وخمسمئة عدد هذه تمثل وثيقة تاريخية بالغة الأهمية، ومع أن المجلة قد حملت في مراحلها الثلاث ثلاثة أسماء، فقد كنا حريصين على أن نعطيها مجتمعة رقماً متسلسلاً واحداً.

حتى لا نتحدث كلّ مرة عن أول مرة، وكأننا نبدأ من الصفر دوماً.

إضاءات - سعد القاسم


طباعة