أعواد الثقاب

تعود بي ذكرى الثاني عشر من أيار وأنا أخط كلماتي لزاويتي الأسبوعية، يشتعل عود الثقاب فيها ليسعر ناراً لم تنطفئ يوماً منذ ثلاثة وأربعين عاماً، ترجل فيها والدي من بزته العسكرية، تاركاً شرخاً في نفوس زغاليل لم يكتمل الريش عليها... قبضت الأم العظيمة على صولجانها فغلبت به مسيرة الحياة.. إلى أن استقرت النجوم على ذات البزة لترتفع فوقها هامة ابنه في صفحة ناصعة النقاء إلى أن انتهت مسيرة نضاله العسكري.. كان درب الأم وعراً لكنه أثمر رجالاً ونساءً حملوا الوطن بين جوارحهم مؤدين أدوارهم وما زالوا داخل الوطن وفي المغترب بإخلاص ووفاء.

توالت ذكريات اشتعال أعواد الثقاب، التي أنشبت نيراناً في حياتنا وحياة الوطن والأمة كل منها يترك ندبة تبقى آثارها تذكِّر بها إلى نهاية العمر، بعضها تاريخه قبل أن نولد لكنه لا يمّحي لأن آثاره لم تنته، ومازالت..

مؤتمر سان ريمو في الـ 15 من أيار 1920 قبل مئة عام، الذي تبنت تنفيذ مضمونه عصبة الأمم حينها، حيث رسمت خريطة انتداب الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى على الوطن العربي، قسمت فيه فلسطين شطرين أحدهما دعي بشرقي الأردن والآخر ينفذ فيه وعد بلفور بتغيير ديموغرافي لإحلال اليهود الصهاينة في فلسطين.

وجاءت الأمم المتحدة لتتبنى إعلان دولة الكيان الصهيوني في 15 أيار 1948 عود ثقاب أشعل ناراً؛ مازالت نُدبها في حياة الفلسطينيين وكل العرب الشرفاء وأحرار العالم، فاشتعال الهشيم من مستصغر الشرر نيراناً في حياة الأمة العربية لم تنته.

عود ثقاب أشعل أكبر نار، ذاك الذي أَضرم هشيم ما دعي بالربيع العربي، الذي التهمت نيرانه الأمان الذي كانت تنعم به سورية، ومازالت النيران مستعرة في ليبيا واليمن. ولم تنطفئ نيران العراق منذ احتلال الأميركي الصهيوني لها عام 2003.

كانت أعواد الثقاب تشعلها أيدٍ غريبة، إلى أن أشعل العود الذي يحرق اليمن سعودي لم يراع حق الأخ والجار، وحمل ترامب عوداً مشتعلاً يهدد به العرش السعودي إن لم يسلمه صنبور النفط السعودي، ومفاتيح خزائن مال السعودية ليحرم منه شعبها.

أما العود المشتعل ما بعد نار صفقة القرن، ذاك الذي اشتعلت به الدراما الخليجية المشتركة، لأجل التطبيع، رغبة بتجميل صورة تاريخ الصهيونية عبر الساحة الفنية العربية، لتلتهم كل ما يناهض الكيان الصهيوني.. بالتزامن مع زيارة بومبيو للكيان الصهيوني ليبارك وزارة نتنياهو الجديدة، ضماناً لانتخابات ترامب القادمة، ما يخفف آثار كساد النفط على متحالفي الشر..

نار سورية تنطفئ، ونار اليمن مصيرها للخبوت، وصفقة القرن لن يطول عود ثقابها أبعد من ثوب حاملها، أما عود الثقاب الذي جعل سوق نيويورك للأوراق المالية ينهار عام 1893، ويسبب كساد الاقتصاد الأميركي كورونا تشعله من جديد.

أما رسائل الحرب الأميركية والبريطانية لإيران، فعود ثقابها تكسره إيران قبل اشتعاله، ولن تتمكن أي منهما اقتحام السفارة الإيرانية، كما فعلتها بريطانيا في لندن عام 1983. فعود الثقاب الأطول والذي لن ينطفئ بسهولة، ولن ينكسر، وهو وحده القادر على إضرام النار في أعدائه؛ في كل مكان، هو عود نار محور المقاومة.

ننعش ذاكرتنا بالعودة لأيار قبل عشرين عاماً، عندما نار عود ثقاب محور المقاومة، أضرم نار الهزيمة في الكيان الصهيوني، والذي مازال يسترق النوم من عيونهم مع إطلالته على أوراق التقويم، ليذكرهم بأن الحق لا بد غالب ولو بعد حين، والباطل يموت في صدر حملته أصدقاء أميركا وحلفائها.

أحرق عود ثقاب الكورونا أستار زيف قوتها عند تخليها عنهم، والكيان الصهيوني لن تخفف زيارة بومبيو له من خيبة أمله في أميركا.. لأن نصر المقاومة ناره تضيء فجر الأيام القادمات، وهزيمة الكيان رمادها ستذروه رياح نصر المقاومين في عيون المهزومين.

 

إضاءات-شهناز صبحي فاكوش


طباعة