نخبُ الســـــــَّمك ..

ثورة أون لاين - علي محمود جديد:

يكاد يغيب السمك عن موائدنا، فالشرائح الأكبر عدداً في مجتمعنا لم تعد قادرة بالفعل حتى على مجرّد التفكير بوجبة سمك أمام الارتفاع الجنوني للأسعار، فكأننا في صحراء قاحلة، ولسنا على بحرٍ طويلٍ أبيض وعريض ..!

من غير المعقول هذا الجور السمكي الذي نعيشه ونحن على شاطئ البحر، كما نمتلك في اللاذقية وحدها أربعة عشر سداً يمكن أن تكون مزارع ضخمة لأسماكٍ تجعل الموائد عامرة، ومع هذا لا يزال وسطي استهلاك الفرد من الأسماك في بلادنا لا يتعدّى الكيلو غرام الواحد في العام، رغم أنّ المعدّل الذي على الفرد أن يستهلكه سنوياً، من المُفترض أن لا يقلّ عن ستة عشر كيلو غراماً، تبعاً لتقديرات منظمة الأغذية العالمية، وذلك حرصاً على صحة الجسم، وإعطائه حاجته من الأوميغا3، والأحماض الأمينيّة، ومن هذا البروتين اللذيذ وسهل الهضم، ومن الفوسفور واليود، وما إلى ذلك من مكوّنات السمك التي ثَبُتَ أنها تُساهم وإلى حدّ كبير في الوقاية من أمراض القلب، والتهابات المفاصل الروماتيزميّة، وتضخم الغدّة الدرقية، ومصدر مهم للكالسيوم وتنقية الدّم وترميم الأنسجة، والتخفيف من الربو وضيق التنفس والصدر، ومن الإصابة بالسرطان، وأمراض العين، وضغط الدم والجلطات، كما أنه يساهم في تنشيط الذاكرة ومحاربة الاكتئاب، وتحقيق الاستقرار في الحالة النفسية والمزاجيّة، والوقاية من الخرف.‏

إذاً لا داعي لأن تستغربوا بعد اليوم ما يحلّ بنا من هذه الأمراض، التي راحت تجتاح الكثيرين منّا، فالذي ينجو من السرطان، نراهُ غير ناجٍ من آلام الأسنان والمفاصل، وهشاشة العظام، والناجي من الجلطات، مذعور من الضغط أو الربو وضيق التنفس، أو من الغدّة، والذي احتفظ بذاكرته، صار مكتئباً ومُعكّر المزاج، ما إن يسمع بشيء حتى ينفجر غضباً، وبعد حين قد لا يطول كثيراً، يكون بانتظار مستقبلٍ حافلٍ بأمسياتٍ زهايمريّة بنكهةِ الخرف، والمكوث خارج التغطية..!‏

إزاء هذا كله لا ندري لماذا يغيبُ عن وزارة الصناعة، ولاسيما عن المؤسسة العامة للصناعات الغذائية، وكذلك عن مُجمل المستثمرين، فكرة إقامة مصنعٍ أو مصانع لتعليب وحفظ الأسماك ..؟! علّنا نستغني بذلك عن استيراد السمك المُعلّب بمليارات الليرات سنوياً، ونجده منتجاً محلياً معلّباً أمامنا بأسعار معقولة فنتناوله أكثر، وعلّنا نخفف بذلك عن أنفسنا وعن أجيالنا القادمة من وطأة الزهايمر، وتلك الأمراض المتزايدة الناجمة عن افتقار أجسادنا لعناصر موجودة في السمك، ونشربُ بعدها نخبه بمتعةٍ واعتداد.‏

 


طباعة