الدُمى وأستاذُ اللغةِ العربيّة

استوقفني اليوم وأنا أعيدُ النظرَ في بحثٍ قديمٍ لي عن الشعر والفن التشكيلي بيتان من الشعر لعنترة في نُدمائهِ الذينَ ليسوا من الضعفاءِ أو الأوغاد، ووصف نساءٍ جميلاتٍ خلبَ ألبابهن:

ولربَّ شربٍ قد صَبحتُ مُدامةً ليسوا بأكناسٍ ولا أوغالِ

وكواعبٍ مثلَ الدُمى أصبيتُها ينظرنَ من خَفرٍ وحسنِ دلالِ

وتذكَّرتُ أنني سألتُ ذات يومٍ أستاذَنا للغةٍ العربيّةِ في إحدى مراحل التعليم عن سببِ وصفِ

أحد الشعراءِ الجاهليين محبوبتَهُ بالدمية؛ ولم أتلقَّ رداً شافياً؛ فكيف يشبِّهُ شاعرٌ كبيرٌ تلكَ المحبوبة باللعبة؟- كما رأى الأستاذ- واليوم أدركُ أن الأستاذ إما كان قليل المعرفة!

وفي حقيقةِ الأمر أن هذا التشبيه كان يتردَّدُ على ألسنةِ معظم شعراءِ الجاهليّة؛ وهم بذلك إنَّما يشبّهون محبوباتهم أو من تعجبهم من النساء بالربّةِ الأم أو الربّة الكبرى، ممثَّلةً بتماثيلها التي صَنعها مثّالو تلك الحقبة ومن ذلك قول النابغة :

قامت تراءى بينَ سجفي كلَّةٍ كالشمسِ يومَ طلوعها بالأسعدِ

أو دُرَّةٍ صدفيّةٍ غوَّاصُها بهجٌ، متى يرها يهلّ ويسجدِ

أو دميةٍ من مرمرٍ، مرفوعةٍ بُنيتْ بآجرٍ، تُشادُ، وقرمدِ

إذاً هاهي ذي محبوبةُ الشاعر مشرقة الوجه، بيضاء كدرَّةٍ يخرجها الغواصُ من صدفتها فيسجدُ مبتهجاً أمامَ جمالها، إنَّها الدمية المرمريّة التي تمثِّل عشتار، المرفوعة على قاعدةٍ؛ كما كانت الحال في المعابدِ، والمحاريب، وفي بعضِ القصورِ الإغريقيّة والرومانيّة.

ونجد ما يشبه تلك الصورة عند الأعشى الذي يقولُ واصفاً امرأة جميلة كانت بين رفيقاتها:

وقد أراها وسطَ أترابها في الحيِّ ذي البهجةِ والسامرِ

كدميةٍ صُوِّرَ مِحرابُها بِمُذهَبٍ في مرمرٍ مائرِ

والشاعرُ يسترفدُ في وصفِ المرأة التي يُعجبُ بها صورةَ عشتار التي تجلَّت في نسختها العربيّة (بالعُزّى وغيرها)،والتي صوَّرها النحاتون دُميةً ممتلئة الجسم بكاملِ زينتها وتتصدَّر جدران المعابدِ الأموميّة، ما يُضفي على المرأة مسحةً من القداسة كرمزٍ للخصوبةِ والولادة.

ويقولُ بشر بن أبي خازم وهو يصفُ نساءً على الحدوج (مراكبٌ تُعد للنساء على ظهور الإبل):

كأن على الحدوجِ مُخدَّرات دُمى صنعاء خُطَّ لها مثالُ

إنَّهنَّ لجمالهن يشابهن الربّة الأم كما صاغها فنانو اليمن، في دُمىً من عاج.

ويصفُ امرؤ القيس بعض تلك التماثيل - الدُمى فيقول:

كأنَّ دُمى سُقفٍ على ظهرِ مرمرٍ كما مُزبد الساجوم وشياً مُصوَّرا

غرائرُ في كِنٍّ وصونٍ ونعمةٍ يُحلّينَ ياقوتاً وشذراً مُفقِّرا

إذاً نحن أمام تماثيل الربّة الأم في جبلٍ في ديار طيء، إنَّها دمىً مُقدَّسةً مصنوعةً من المرمرِ ومزيَّنةً بالياقوتِ الأحمر والذهب الأصفر تتصدَّرُ بيتَ العبادة.

ولقد نقلت لنا بعضُ كتب التاريخ صوراً مختلفةً من التقديس والتكريم الذي حظيت به المعبودة الأم عند عربِ الجاهليّة، بعدَ أن نقلوها من سورية وبلاد الرافدين، بدءاً من ترديدِ أسماءِ: اللات والعزى ومناة في أثناء طوافِ قريش حول الكعبةِ، وصولاً إلى تيمّنهم بها و كانوا يصطحبونَ تماثيلها إلى حروبهم ومواقعهم، كما فعَلوا عندما حملوا تلكَ الأصنام التي ترمزُ لعشتار في حروبهم ضد المسلمين، " فقد أقبلَ أبو سفيان في أحد يحمل اللات والعُزّى. ويقول: ألا لنا العُزّى ولا عُزى لكم. فيجيبه المسلمون: الله مولانا ولا مولىً لكم" .

ومن المعروف أن "الأم الكبرى عرفت عند كل الشعوب القديمة، ومادتها شكَّلت دين البدائي، وقد تنوّعت أسماؤها واختلفت اختلاف الأمم التي اتخذتها إلهةً عبدتها، وقدمت لها القرابين"؛ من (إنانا) عندَ السومريين إلى عشتار عند الأكاديين ، إلى (عشتاروت) في مناطق متعددة من الشرق الأدنى القديم، إلى (عثر) في رأس شمرا. و(عنات أو إناة) في بلاد كنعان، إلى (عثار)عند العرب في جنوب الجزيرة، وغيرها من المسمّيات عند شعوبٍ كثيرة.

و عند علماء الميثولوجيا، وعلماء الآثار أنَّ عبادة عشتار المقدَّسة " سادت في العصر النيوليتي و كانت رمزاً أساسياً في أسطورةِ الخصب والتوالد، كونها أم الأشياء جميعاً والمخصبة للكون، وتعددت تسمياته في اللغات المختلفة وظهرت الدُمى التي تُمثِّلها في مراكز عبادتها في أنحاء مختلفة من العالم" ، "هذه التماثيل ابتدأت طينيّة صغيرة على شكل دمى، وانتهت حجريّة ضخمة تسكن المعابد الكبرى " ، وصاغها النحاتون واعتنوا بتضخيم أعضائها التي ترمز إلى الخصوبة في الدمية ، وتتوحد صفات دمى عشتار في معابد الأم الكبرى المنتشرة في أنحاء العالم وتبدو نسخةً عن دمية الأصل مع اختلاف بسيط في الشكل أو الهيئة.

وقد بدأَ أنبياءُ العهد القديم محاربةَ الربّة الأمِ؛ حتى أن ذلك انعكسَ في تلك النظرةِ الدونيّة التي نشروها لها، ولكن الربّة الأم وجدت تجلياتٍ أخرى ومسميات أخرى في مختلفِ معابد الدنيا حتى يومنا هذا.

ولعلَّ قول الحماسي - كما تؤكد د.نادية زياد محمد سلمان- وهو شاعرٌ إسلامي:

معاذَ الإله أن تكونَ كدميةٍ ولا ظبيةٍ ولا عقيلةِ ربربِ

وهو يستعيذُ بالله من أن تكونَ محبوبته تشبه الدميةَ؛ خير دليل أن الدمية ارتبطت بالربّة الكبرى، إلهةِ الحبِ والخصب في الذهنيّةِ الجاهليّةِ .

اضاءات - د.ثائر زين الدين

 


طباعة