مونولوج عن الجندي الأخرس

 في روايتها التي نالت جائزة نوبل للآداب عام 2015 وسمتها "صلاة تشرنوبل"، والتي تُعدُّ بصورةٍ أو بأُخرى هجاءً شديداً للحروبِ وويلاتها، أدَّت الكاتبةُ سفيتلانا ألكسييفيتش ابنة روسيا البيضاء (بيلاروسيا) دورَ السارد الذي يلتقي عشرات الشخصيات كباراً وصغاراً، ممن عاشوا مأساة انفجار مفاعل تشرنوبل، ويستمع منهم إلى الأحداث المريرة التي تدفع القارئَ إلى البكاء في فصولٍ كثيرة؛ ويدوِّن ذلك كلَّه ببساطةٍ وتلقائيّة؛ كما لو أنَّ الروائيّة لم تتدخَّل إلّا بتنظيم المادةِ وتنقيحها.
ولعلَّ من أكثرِ فصول العمل تأثيراً في نفس القارئ هو الفصل الذي حملَ عنوان "مونولوج الجندي الأخرس"، وهو فصلٌ ترويه للمؤلِّفةِ ليليا كوزمينكوفا المُدرّسة في معهد التنوير الثقافي، والمخرجة المسرحيّة، وقد اخترتُ الحديث عن هذا الفصل بالتحديد وكنت قد ترجمتهُ منذُ صدرت الرواية باللغةِ الروسيّة؛ لأنّه يُقدِّمُ رؤيةً عن الفن ِ زمن الحرب؛ عن المسرح والسينما زمن الحرب؛ من دون ضجيجٍ ولا صراخ ولا شعارات؛ وهو رأيُّ الفنان والمبدع بالمرتبةِ الأولى، وقد يكونُ في لحظةٍ ما وتحتَ تأثيرِ مرارةِ الفناء وحيد الجانب؛ لكنَّه يبقى جديراً بالتفكير، ويكادُ هذا الفصل من حيث المضمون يتحدَّثُ عن شيءٍ مما عانيناه منذ منتصفِ عام 2011، وهذا شأنُ كلِّ أدبٍ عظيم؛ يُكتبُ في بلدٍ واحدٍ محدَّدٍ لكنَّهُ يقدِّم تجربةً وحالةً إنسانيّةً تعني بلداناً كثيرة، أقتبسُ من الفصل المذكور مقاطعَ مختلفة أجمعها معاً؛ تقولُ ليليا كوزمينكوفا:
«تذكرون الفيلم الذي كان عن الحرب "اذهب وشاهد". لم أستطع إكماله، لقد أغمي عليّ. أطلقَ الألمانُ النار على بقرة... فملأ بؤبؤ عينها الشاشة... بؤبؤ عينها فقط... كيف قتلوا الناس، لقد شاهدت ذلك... لا!! الفن - هو الحب، أنا متأكدة من ذلك تماماً!. لا أريد تشغيل التلفزيون، وقراءة الصحف الحاليّة. يقتلون هناك، يقتلون... في الشيشان، في البوسنة... وفي أفغانستان... أفقد صوابي، تتشوّه رؤيتي. رعبٌ... أصبح معتاداً، وحتى تافهاً. ونحن تغيرنا...
ركبت الحافلة الكهربائيّة يوم أمس. وكان هذا المشهد: صبي لم يُخلِ مكانه لرجل عجوز. فعاتبه العجوز قائلاً:
- ستصبح عجوزاً، ولن يخلي المكانَ لك أحد.
يجيب الصبي: - لن أصبح عجوزاً.
- لماذا؟
- سنموت جميعنا قريباً.
الأحاديث من حولنا عن الموت. الأطفال يفكرون بالموت. لكن هذا ما يفكر الناسُ به في نهاية حيواتهم، وليس في بداياتها.
أنا أرى العالم في لوحات... الشارع بالنسبة لي هو - مسرح. البيت - مسرح. الإنسان - مسرح. لم أتذكر أبداً حدثاً بكامله. بل في التفاصيل والإيماءات...
الأمور كلّها تباينت في ذاكرتي، واختلطت. أهي من السينما، أم من الصحف... أم أنّي شاهدت ذلك في مكان ما، أم سمعت... أم تجسست؟
أرى: يتسكع ثعلب مجنون في شارع قروي مهجور. هادئ، ولطيف. مثل الطفل... يتعامل بلطف مع القطط الشاردة، ومع الدجاجات...
هدوء تام... غير عادي! يختلف تماماً، عمّا هو هنا... وفجأة وسط هذا الهدوء حديث إنسانيّ غريب: "غوشا جيد، غوشا جيد". قفصٌ صدئٌ بابه مفتوح يتأرجح في أعلى شجرة تفاح هرمة. ببغاء منزلي يتحدّث إلى نفسه.
لقد شاهدتُ فيلماً واحداً جيداً عن الحرب. نسيت اسمه، فيلماً عن جندي أخرس. صمت طوال الفيلم. نقلَ ألمانيّة حاملاً، حاملاً من جنديٍّ روسي. وولدت طفلاً، في الطريق، على النقالة. رفعه بين يديه وأمسك به، فبال الطفل على رشاشه وضحك الرجل... كانت ضحكاته كالكلام... نظر إلى الطفل وإلى بندقيّتة الأتوماتيكيّة وراح يضحك.. نهاية الفيلم.
لا يوجد في الفيلم روس ولا ألمان. يوجد وحش هو - الحرب. ومعجزة هي - الحياة. لكن الآن تغيّر كل شيء. و تغيّر العالم، ما عاد يبدو أبدياً، كما كان منذ فترة قريبة. وكأن الأرضَ تقلصت، وأصبحت صغيرة. ونحن خسرنا اللاموت - هذا ما حدث لنا. فُقد الإحساسُ بالخلود. وأرى على شاشة التلفزيون كل يوم كيف يقتلون. يطلقون الرصاص. اليوم يطلقون النار على أناس غير خالدين... أحد الأشخاص يقتل شخصاً آخر...
شيء ما مُبهم جداً، وكأنّه يأتي من بعيد... كان عمري ثلاث سنوات، عندما نقلوني مع أمّي إلى ألمانيا... إلى معسكر الاعتقال... أذكر أن كل شيء - كان جميلاً... قد يكونُ نظري مصمماً على هذا النحو. جبل عالٍ... هطل إمّا ثلج أو مطر. وقف الناس نصف دائرة سوداء ضخمة، يحمل الجميع أرقاماً. الأرقامُ على الأحذية... واضحة تاماً... وعلى الظهور... في كل مكان أرقام، أرقام... شريط شائك. يقف على البرج إنسان يرتدي على رأسه خوذة، وتتجول الكلاب، تعوي بصوت عالٍ. وما من خوف. ألمانيّان اثنان، أحدهما كبير وسمين يلبس الأسود، والثاني صغير - في بذلة بنيّة. ذلك الذي في الأسود، يشيرُ بيده إلى مكان ما... يخرج ظلّ من نصف الدائرة العاتمة ويصبح إنساناً. يبدأ الألماني في الأسود بضربه... يهطلُ إمّا ثلج أو مطر... ويهطل...
أتذكر إيطالياً جميلاً طويلاً... كان يغنّي طوال الوقت... بكت أمّي، وبكى الناس الآخرون. لم أستطيع أن أفهم، لماذا يبكون، في الوقت الذي كان فيه غناؤه جميلاً؟
كان لي محاولات رسم عن الحرب. لقد جرّبت. من دون نتيجة. لن أعدَّ مسرحية عن الحرب. لن أتمكن من الحصول على نتيجة ناجحة.
ما هي المسرحية التي أتخيّلها؟ إنني أفكر بها... طوال الوقت أفكر...
أحضروا نصاً من المنطقة... أسطورة معاصرة:
بقي في القرية - عجوز مع زوجته. مات العجوز في الشتاء. دفنته الجدة وحدها. استمرت في حفر حفرة للقبر مدة أسبوع. لفّته بغطاء دافئ، كي لا يتجمّد، وضعته على زلاجة أطفال ونقلته. طوال الطريق تذكَّرتْ حياتها كلّها معه... قَلَت الدجاجةَ الأخيرةَ كطعام جنائزي على روح الزوج. الرائحة استجلبتْ جرواً جائعاً. فكان للمرأة العجوز من تحدِّثه وتبكي...
الفن - هو الذكريات... الذكريات عمّن كنّا... أنا أخاف... أنا أخاف شيئاً واحداً، أن يشغلَ الخوفُ في حياتنا مكانَ الحب...".
وللأسف هل حلَّ الخوفُ في نفوسنا مكان الحب؛ كما خشيت المؤلِّفة؟؟ أم أن تلك الحالة تجاوزناها - نحن السوريين- وحللنا مضاربَ الأمل... أرجو ذلك.

إضاءات - د. ثائر زين الدين


طباعة