العندليب

ثائر زين الدين

 

ما كانَ الكاتبُ يحلمُ أن حكايته هذهِ ستصبحُ واحدة من الحكايات الأوسع انتشاراً في العالم كُلّه، بل سيخلّدها الزمن.. جُلّ اهتمامِهِ كانَ مُنصبّاً على إفراحِ الأطفال الذين تخيّلهم يتحلّقون من حولِهِ صحبةَ معلِّمتهم، وإغناء مخيّلتهم بوقائع جديدة، وتقدير ما هو إنساني ونبيل لهم على جناح المُتعة. قالَ الكاتبُ: «وكان قصرُ إمبراطور الصين الأفخم في العالم، كُلّهُ من الخزف الصيني الغالي والمشغول بعناية، ولكن الهشّ، مما يعني أن على المرء التعامل مَعَهُ بحذرٍ شديد، وفي الحدائق نمت أجمل الزهور، حتى أن الجنائني ربطَ أجراساً فضيّة صغيرة في أغصانِ أكثرها غرابةً حتى تلفتَ انتباه المتنزِّهين حين تداعبها الأنسام»، ويسهبُ الكاتبُ في وصفِ جمالِ حدائق الإمبراطور ويتوقّف مليّاً عند حديثِهِ عن ذلك العندليب المدهش الذي سكن أغصانَ الأشجار المُطلّةِ على البحر، بعيداً عن قصر الإمبراطور، وسَحَرَ الناس بغنائِهِ الخلّاب، فتحدّثَ عنهُ السواحُ وكتبَ الكتّابُ والشعراءُ، لكن الإمبراطور لم يكن يعرفُ شيئاً عنه، وما استمَعَ في حياتِهِ لغنائه، حتى إذا وصلت إلى يديه كتاباتٌ تذكر أن العندليبَ هو الأجمل والأهم في مملكته، أرسَلَ في طلبِ مُرافقِهِ وفهمَ منه ومن الحاشية أنهم في حياتهم ما سمعوا عنه ولم يروه، فأمرهم بإحضارِهِ كي يغنّي له الليلة!
وأخيراً قابَلَ بعض الحاشية فتاةً صغيرة فقيرة تعمل في مطبخ الإمبراطور فأجابتهم:
«يا إلهي، العندليب، بالتأكيد أعرفه! كم هو عذبُ الغناء، كل مساءٍ يُسْمَحُ لي أن أحَملَ بعض بقايا الطعام إلى بيتي لإطعام أمّي المريضة، وعند عودتي أستريحُ من تعبي قليلاً في الغابة فأسمَعُ غناءَ العندليب وتدمَعُ عيناي، لكأنَّ أميّ تقبّلني!».
وهنا هتفَ المرافق: «عزيزتي الطباخة الصغيرة! سأحصل لأمّك على وظيفة ثابتة في المطبخ وأمنحها شرف رؤية الإمبراطور وهو يأكل، لكن عليكِ أن تدلينا على العندليب».
ويروي الكاتب كيف انطلقوا جميعاً نحو مكان العندليب، وتخيَّلَ ضحكاتِ الأطفال حين ظنت حاشية الإمبراطور أن خوار الأبقار هو صوت العندليب، وتخيّلهم يقهقهون حين ظنّ كاهن القصر الصيني أن نقيق الضفادع هو لا شك صوت العندليب، لكنّ الطباخة الصغيرة كانت تصحّح لهم جميعاً وتقول: تريّثوا هانحن قد اقتربنا من العندليب، حتى هتفت بهم أخيراً: اسمعوا هاهو ذا صوت العندليب، وأشارت بيدها إلى طيرٍ صغيرٍ رمادي.
المهم أنّ المرافق يتقدّم من العندليب قائلاً: «من دواعي سروري أن أدعوكَ إلى حفل الحاشية حيث ستفتن فخامَتَهُ بغنائك الساحر»، ويجيب العندليب: «لكنَّ غنائي أبدعُ في الهواء الطلق»، وهنا يبتسمُ الكاتب وهو يتخيّلُ كيفَ سيتصرَّف كثيرٌ من المغنين والمبدعين من شعراء وكتاب فيما لو قُدّمت لهم مثل هذهِ الدعوة. وأخيراً يستجيب العندليبُ لرغبةِ الحاشية، عندما يعلم أن الإمبراطور سيضربهم إن لم يحضروه ليغني له الليلة.
ويفعل ذلك ويغنّي بعذوبةٍ فتدمَعُ عينا الإمبراطور، وتزدادُ عُذوبة الغناء من جَرّاء ذلك، وحين يُقدِّمُ الإمبراطور خُفّاً ذهبياً للعندليب يعتذرُ عن قبوله ويقول له إن هدّيته الكبرى كانت رؤية عيني القيصر وهما تدمعان!.
ويروي الكاتب للأطفالِ أنّ إمبراطور اليابان يُرسلُ هديةً لإمبراطور الصين، وتكون الهديّة عندليباً من الذهبِ والجواهِرِ، يُردِّدُ أغنيةً ساحرةً من أغنيات العنادل لكن لابُدَّ في كلّ مَرّة من إدارةِ لولبٍ خاصٍ لتعبئةِ الحركة. وغنّى العندليب الذهبيُّ المقطوعة أربعاً وثلاثين مَرّة، ولم ينتبه الجميعُ إلاّ متأخرين أنّ العندليب الرماديَّ قد غادر الَقصْرَ من النافذة وعادَ إلى شجرتِهِ على ساحِلِ البحر، ومَرّ عامٌ وحفظَ الجميعُ أغنيةَ العندليب الذهبي، لكنّه ذات ليلة بينما كان الإمبراطور ينصتُ إليه، سمعت أصوات انكساراتٍ داخله وتوقّف عن العمل. واكتشفَ الساعاتي أن مسنناتِ العندليب قد اهترأت، وأنّه لن يعودَ إلى سابق عهده، ومرضَ الإمبراطور واستلقى شاحباً بارداً في مقره.
بينما جلَسَ الموتُ على صدر الإمبراطور، وراحت أشكالٌ غريبة بعضها بشع وبعضها جميل تُذكِّرُهُ بأفعالِهِ وتحاسبه عليها، رجا الإمبراطور عندليبه الذهبي الواقف على غصنٍ من الذهب مُحاطاً بالهدايا النفيسة أن يغني له، والعندليب جامد لا يُحرّكُ ساكناً... ثُمّ علا فجأةً غناءٌ أخاذٌ من جهةِ النافذة. كان العندليب الحيّ الصغير هناك؛ لقد سمِعَ بمرض الإمبراطور فجاءَ يغنّي له... وكان كلّما ارتفَعَ غناؤهُ وحلا تشحُبُ تلك الأشكال المقيتة التي أحاطت بالإمبراطور، وتذوي. ودار الدمُ في الجثة الواهنة وأنصت الموتُ نفسه إلى العندليب، ورجاهُ أن يستمر بالغناء، وكان يتذكّرُ خلال ذلك مقبرتَهُ الهادئة حيث تنمو الورودُ البيض، حيث عطر البيلسان ودموع أقرباءِ الموتى تسقي العشب الطري... وفجأةً حَلّقَ مثلَ ضبابٍ أبيض باردٍ وخَرَجَ عَبرَ النافذة.
وهنا قال الإمبراطور: «شكراً أيّها الطيرُ السماوي الصغير، أعرِفُكَ جيداً، لقد طردتُكَ من قبلُ من البلادِ، وأنت بالمقابل طردتَ عن سريري الأرواح الشريرة بغنائِكَ، وأزحتَ الموتَ عن قلبي، أرجوكَ قُلّي كيفَ أُكافئك؟».
«لقد كافأتني» أجابَ العندليب، «فُزتُ في المرّة الأولى بدمع عينيك، لن أنسى ذلك مُطلقاً، إنّها المجوهرات التي تجعلُ قلبَ المغني طيّباً».
تخيّلَ الكاتبُ هنا دموعَ الأطفال الصغار وقد ملأت عيونَهم الجميلة. ويعتذر العندليب عن البقاء في القصر؛ ويَعِدُ أن يزور الإمبراطور فيقف على النافذة، ويغنّي له عن السعداء وعن الذين يعانون، عن الخير وعن الشر الخفي، فالعصفور الشادي الصغير سيحلّقُ بعيداً ويصل إلى الصياد الفقير وسقف بيت الفلاح والطباخة الصغيرة، سيُفْرِحُ الجميعَ. ويختِمُ قائلاً للإمبراطور:
«أنا أحبُّ قلبك أكثر من تاجك».

 إضاءات- د. ثائر زين الدين

طباعة