في بيت نزار

لم ألتقِ الشاعِرَ من قبل لكنني أسيرُ الآنَ في الأزقَّةِ المؤدّيةِ إلى بيتِهِ وأتخيّلُهُ كما وَصَفَ نفسه طِفلاً صغيراً يطمُرُ فيها كنزاً، ويرسُمُ على جدرانها صوراً، ويكسر على أدراجها لُعَباً:
تلكَ الزواريبُ كم كنزٍ طمرتُ بها وكم تركتُ عليها ذكرياتِ صبا
وكم رسمتُ على جُدرانِها صوراً وكم كسرتُ على أدراجِها لُعبا
أصلُ إلى البيت، بابٌ خشبيٌّ قديمٌ جميل وإلى جوارِهِ لوحة؛ تُخبرُني مُرافقتي (حفيدة أبي خليل القباني) أَنّها من صُنعِ الأستاذ أحمد المُفتي، وقد بدأها بقولِ نزار: "هُنا جذوري، هُنا قلبي، هُنا لغتي". ثُمَّ أشار في السطرينِ التاليينِ إلى أنّ "نزاراً سكن هذا البيت"؛ لكنَّ نزاراً لم يزل يَسكُنُهُ الآن... إنَّ روحَهُ ما زالت تُرفرفُ في القيمريّة، في حي مئذنةِ الشحمِ هذا... نعبُرُ الباب متهيّبين، يدعونا ابنُ صَاحبِ الدار الجديد بأدبٍ جَمٍّ.
كُلُّ شيءٍ - رُغْمَ بعض التغيّراتِ - كما وَصَفَ نزار: "بوّابةٌ صغيرةٌ من الخشبِ تنفتح، ويبدأُ الإسراءُ على الأخضرِ والأحمر والليلكيِّ، وتبدأُ سمفونيّة الضوءِ والظلِّ والرُّخام"، أجولُ بنظري في الفناء الواسِعِ، ويلتقطُ أنفي روائح زكيّة أتذكُّرُ من جديد ما قالَهُ عن بيتِهِ: "هل تعرفونَ معنى أن يسكُنَ الإنسانُ في قارورةِ عطر؟! بيتُنا كانَ تلكَ القارورة، والذينَ سكنوا دمشق وتغلغلوا في حاراتِها وزواريبها الضيّقة يعرفونَ كيفَ تفتَحُ لهم الجنّةُ ذراعيها من حيث لا ينتظرون..."، نتجاوزُ الفِناء الفسيح حيث البحرة التي تزيّنُها أُصصُ الأزهار، وتنمو إلى يسارها شجرةُ الكباد وقد تدّلت منها تلك المصابيح العفويّة الصفراء، وبجوارها أرجوحة وإلى يمينها ما زالت الياسمينة التي تحدّث عنها الشاعر تنمو، لكنّ الفلّة التي أوصى نزار أمّه أن تعتني بها لا أثرَ لها، أين اختفت وهي محبوبةُ أبي المعتز، وأنيستُهُ ورفيقتُهُ؟! نتجاوز كل ذلك ونجلسُ في صدرِ المكان بعد أن نتملّى الصور الكثيرة التي تتسلق جداراً عالياً، ووسطها صورةُ نزار المعروفة، ومن حولِهِ وبين الصور القديمةِ سيوفٌ وخناجِرُ وأطباقٌ نحاسيّة أثريّة... لا أعلَمُ هل كانت موجودة يوم كان الشاعِرُ يعيشُ في المكان، أم عَلّقها مالكو البيت الجديد؟!
"هنا يوم 21 آذار 1923، حينَ كانت الأرض في حالةِ ولادة، وكان الربيعُ يستعدُّ لفتحِ حقائبِهِ الخضراء - يقولُ نزار - الأرضُ وأُمّي حملتا في وقتٍ واحدٍ، ووضعتا في وقت واحد... كل الذي أعرِفُهُ أنني يومَ ولدتُ كانت الطبيعةُ تنفِّذُ انقلابها على الشتاء...".
ولد نزار في هذا المكان، وكان الابنَ الثاني لتوفيق القباني بعدَ أخيه المعتز... أتخيل نزاراً الطفل يحبو في جنبات المكان... أراهُ يخطو خطواتِهِ الأولى ويعثرُ وينهَضُ، وأراهُ بعد بضعةِ أعوامٍ من ذلك يسترقُ السمعَ من وراءِ أحد الأبواب المغلقة، ولا يفهمُ همهمات زعماء الأحياء الدمشقيّة من التجّار والحرفيين والمهنيين وهم يتحدّثونَ عن مقاومة المستعمر الفرنسي والإسهام في تحويلِ حركةِ المقاومة، وسيُعلّقُ الشاعِرُ بعد ذلك بزمنٍ طويل: "كان أبي - إذن - يصنَعُ الحلوى، ويصنَعُ الثورة، وكنتُ أعجبُ بهذهِ الازدواجيّة فيه، وأدهشُ كيفَ يستطيعُ أن يجمَعَ بين الحلاوةِ والضراء"؟ على أرائكَ هذهِ المضافة، وفي غرفتِهِ (التي لم أستطع أن أراها لأسبابٍ تتعلق بأهل الدار) بدأ نزار يحفظُ ما يأخذهُ يوميّاً في المدرسة من مفرداتِ اللغة الفرنسيّة وجملها، وهنا رَدّد ما نَصَحَ أستاذُهُ خليل مردم بك بحفظِهِ من الشعر العربي... وهنا استذكَرَ قصائد أمين نخلة وبشارة الخوري وسعيد عقل وصلاح لبكي... ولا شَكّ أنّه أبدعَ أولى نصوصهِ هنا، وجمعها في عملِهِ المبكّر "قالت لي السمراء - 1944"، ثم في "طفولة نهد 1948"، ليقيمَ الدنيا عليه ولا يقعدها، فيكتبُ الشيخ علي الطنطاوي في مجلة الرسالة المصريّة أواخر الأربعينيّات هجاءً شديداً للشاعِرِ يتهمُهُ فيه بالوقاحةِ والفسق والبغاء... فلا يفلُّ ذلك من عزيمتِهِ وإرادتِهِ، ولا يطفئُ جذوةَ الإبداعِ والتجديد في روحه.
من هذا البيت ينطلقُ صقرُ قريش الثاني إلى لندن، ليعملَ في السفارة السورية (1952 - 1955)، فيتعلّم الإنكليزيّة، ويقرأ بعضَ شعرائِها ويفيد من تجاربهم، ثم ينطلق إلى مدريد (1962 - 1966)، ويتعلّم الإسبانيّة، ويقرأ الشعرَ الإسباني، ويكتب هناك أجمَلَ نصوصِهِ: "أوراق إسبانيّة" و "خمس رسائل إلى أمّي" و "أحزانٌ في الأندلس" و "غرناطة"، وغيرها...
يُقدِّمُ مُضيفنا شرابَ التوتِ لنا، وتخرجُ مُرافقتي السيدة زبيدةُ لوحةً رسمت عليها بنفسها شجرةَ عائلةِ نزار راصدةً فيها بضعة أجيالٍ قبلَ ولادةِ الشاعِر... لكنني أنسى حضورهما وتحتشدُ الخيالاتُ في ذهني... تحتشدُ التحوّلات العميقةُ التي غَيّرت مسيرةَ حياة الشاعِرِ، وحَرّضت إبداعَهُ وطوّرته سواء ما يتعلق بالقضايا الكبرى: نكسة الخامس من حزيران، وحرب تشرين التحريريّة، وميثاق العمل القومي المشترك بين سورية والعراق وفشله، وغيرها، وما أنتجتْهُ هذهِ الانعطافات الكبرى في مسيرتِهِ الشعريّة من نصوصٍ باهرة، أو ما يتعلق بمآسيه الشخصيّة: انتحار أخته، مقتل زوجته بلقيس، وفاة ابنه توفيق وما نتجَ عنها من قصائد لا تُنسى، وهو خلال ذلكَ كلّه لا يتنازل عن دورِهِ مُجدِّداً في بنيةِ القصيدةِ العربية وجمالياتِها؛ في لُغتها وموسيقاها وروحِها... حتى أثَّرَ في أجيالِ الشعراء العربِ من بعدِهِ، واستفادَ من تجديده كبارُ المبدعين. هاهو ذا محمود درويش يهتف: "لقد تعلّمنا أناقة الجملة الشعريّة على يد نزار قباني"، وكان نزار من الشجاعة بحيث هتفَ ذات يوم: "محمودَ الدرويشي سلاما / توفيق الزيّادِ... سلاما / يا فدوى طوقان... سلاما / يا مَنْ تبرونَ على الأضلاعِ الأقلاما / نتعلّمُ منكم، كيف نفجِّرُ في الكلماتِ الألغاما / لو أنَّ الشعراءَ لدينا... / يقفونَ أمامَ قصائدكم / لَبَدوا أقزاماً... أقزاما"... الحديثُ عن نزار قَبّاني لا ينتهي أبداً وقد أثارَ هذا البيتُ الجميلُ في نفسي من الحُزنِ والشجن أكثرَ ممّا بعثَ من الفَرَح لأسباب لا يتسعُ المجالُ لذكرها... وحين غادرنا المكانَ، وكان مُضيفنا يُكرِّرُ دعوته لنا، تذكرتُ زيارتي لمتحف بوشكين في بطرسبورغ، تذكرت متحف تولستوي في ياسنايا بوليانا، ومتحف أنطون تشيخوف الأدبي في روستوف... وتمنيتُ أن نَصْنَعَ متحفاً لا يقلُّ عن هذهِ المتاحف لنزار قبّاني، فليسَ نزارٌ أقل أهميّةً وإبداعاً من هؤلاء... وليست أمّتُهُ أقل عظمةً من عظمةِ أمّتهم!!

 إضاءات- د. ثائر زين الدين


طباعة