نقولُها وأكبادُنا تحترق

 لا أنسى -حينما يُذكَرُ شعرُ الرثاء - ما أورده الجاحظ في "البيان والتبيين" من أن الباهلي سأل أعرابيّاً: "ما بال المراثي أجود أشعاركم؟"، فأجاب الأعرابي: "لأننا نقولها وأكبادنا تحترق". ومع أنَّ زمناً طويلاً مر على هذهِ العبارة القصيرة المكثَّفة، لكنها مازالت حيّة وقادرة على البوح، وتُكثِّفُ جُلَّ ما يمكن أن تقولَه في كثيرٍ من مراثي العرب: ومنها رثاء الأبِ والأخوةِ والأحباءِ والأصدقاءِ، رثاءُ النفس، ورثاء المدن وهو لونٌ مؤلمٌ من الشعرِ أيضاً عرفته الثقافة العربيّة؛ ونماذجهُ ليست قليلة. ومع أنَّ الأفكار التي تنطوي عليها قصائد الرثاء تكادُ تكونُ معروفة ومكرورة، وقليلاً ما تعثر على جديدٍ فيها، إلّا أنَّ حاملها العاطفي الوجداني؛ وما تتحلّى بهِ من صدق المشاعر والأحاسيس هو الذي يمنحها-على الأغلب- كلمة السرِ لفتحِ مغاليقِ قلوبنا المقفلة.
هل انتهى هذا الغرضُ من أغراضِ شعرنا، وهل توقَّفَ شعراؤنا المعاصرون، وشعراءُ الحداثةِ عن كتابته؟ لا بدَّ أنني أطرحُ سؤالاً ساذجاً! بالتأكيد: لم يفعلوا، ولن يفعلوا مادامَ ثمَّةَ فقد... موت... رحيل... غياب، ربما تغيَّرت أشكالُ القولِ وطرائقهُ وبعضُ ثيماته؛ لكنّه موجودٌ وسيبقى ما بقيَ الإنسانُ يولدُ ويموت، ويطرح على نفسهِ وعلى الكونِ من حوله، أسئلةً وجوديّةً لا تخمد جذوتها.
الآن وأنا أكتبُ في هذا الموضوع تحضرُ في ذاكرتي مرثيات محمود درويش لأصدقائهِ وأحبائهِ ورفاقِ دروب النضال والكفاح والأدب (غسان كنفاني، كمال ناصر، ناجي العلي، معين بسيسو، خليل الوزير، إميل حبيبي، ياسر عرفات، راشد الحسين، ماجد أبو شرار، عز الدين قلق، وآخرين)، تخطر ببالي مرثيَّته لوالده : "لم نكن على موعد"، وهي أقل شهرة من تلك التي أشرتُ إليها، ولم تأت -كعادتهِ في معظم مراثيه - موزونةً أو موقَّعةً ؛ إلّا في بعض جُملها:
"كان يعرفُ أني لن أعود. وكنت أعرف أنّه لن يسافر.
وكنّا نعرفُ أنَّ ما تبقّى في عباءتهِ من عمرٍ لا يكفي لكي نلتقي في المكان الذي يرحلُ عنه، ولا أستطيعُ العودةَ إليه.
لذا لم تجمعنا غير أسلاك الهواء المتقطّع، ليصيرَ الصوتُ مقعدين؛ أجلسُ على أحدهما لأعرفَ أن لي بداية،
ويجلس على الآخر ليحمي نفسه من عزلة النهاية.. سامحني يا أبي.. وسامحني لأني لم أنجب لك حفيداً يفعلُ بي ما فعلتُ بك يا أبي..
وأبي يا أبي/ غَضَّ طرفاً عن القمر،/ وانحنى يحفن التراب/ وصلّى لسماءٍ بلا مطر/ ونهاني عن السفر/ وأبي قال لي مرَّةً:/ الذي ما لهُ وطنٌ،/ ما لهُ في الثرى ضريح،/ ونهاني عن السفر!".
وتخطرُ في بالي أسطر من مرثية نزار قباني لوالدهِ:
" أماتَ أبوكَ؟/ ظلالٌ أنا لا يموتُ أبيْ/ ففي البيتِ منهُ/ روائحُ ربٍّ وذكرى نبيْ
هنا رُكنُهُ... تلكَ أشياؤهُ/ تفتَّقُ عن ألفِ ذكرى صبيْ/ جريدتُه.. تبغُهُ .. مُتكاهُ
كأن أبي بعدُ لم يذهبِ...../ ونظّارتاهُ أيسلو الزجاجُ/ عيوناً أشفَّ من المغربِ/
أبي.. يا أبي إنَّ تاريخَ طيبٍ/ وراءَكَ يمشي فلا تعتبِ/ حملتُكَ في صحو عينيَّ حتّى / تهيّأ للناسِ أني أبيْ...../ أشيلُكَ حتى بنبرةِ صوتي/ فكيفَ ذهبتَ .. ولازلتَ بي؟".
وأستذكرُ مقاطع من مرثيّةِ نزيه أبو عفش في والده، وقد أسماها "القلعة":
"...هو ذا البيتُ!/ أوشِكُ من موضعي أن أقيسَ حرارتَهُ/وأشمَّ هواءَ الغرفْ
هوذا البيتُ/ أوشكُ أن أتلمَّسَ أجزاءَهُ/ وأعدَّ تفاصيلَهُ في شغفْ.../
يا أبي لو تُصدِّقُ:/ ما جئتُ أشكو إليكَ/ ولا جئتُ أطلبُ مالاً/ ولا عنَّ لي بعد هذي السنينْ/ أن أُقاضي على حجرٍ/ أو أثيرَ على ما افتقدتُ العراكْ/
لو تُصدّقني يا أبي/ جئتُ كيما أراكْ..../ لا تفقْ يا أبي/ فأنا لستُ جوعان
لستُ حزيناً تماماً/ ولستُ شقيّاً تماماً/ ولكنني تعبتْ فيَّ روحي قليلاً
وجسمي قليلاً/ ولكنني لم أزل قادراً أن/ أصونَ السجايا/ وأحفظَ ثوبَ الرعاةِ النظيفْ/ لم ألوِّث يدي بالوحولِ/ ولم تلوِ قامةَ روحي الكنوزْ/ لم تُدنّس فمي صلواتُ الذين يجيزونَ ما لا يجوزْ/ لم يزلْ سارقو عمرنا/ يُضرمونَ الحرائقَ في لغتي/ ويثيرونَ في الكلماتِ القرفْ.../ لا تنم يا أبي/ أو فنمْ./ أنت قلعتنا/ أنت سورُ فضائلنا الباقياتْ/ أنت علَّمتنا/ أن نحبَّ الحياة/ ونأكلُ لقمتنا بشرفْ".
وأتذكَّرُ من مراثي شعراءِ جيل الثمانينيّات ما كتبه راتب سكر في رثاءِ والده؛ دون أن يبدو النصُّ وكأنّه ينتمي إلى عالم الرثاء، بل جلَّ ما في الأمر أنَّ الشاعرَ يتحدَّثُ عن أبيهِ الذي جعلَ من مهنتهِ حجّاراً فضاءً للإبداعِ الفني الجميل:
"خطوةً خطوةً كان يأخذني من يدي/ خمرُهُ سرّهُ والخوابي كلامْ/ مُسرفاً في العمارْ/ مسرفاً في الغناءْ/ واهباً ضحكتي رنَّةً/ من رنين الحديدْ/ مُسرِفاً في بساطته/ في تأنّقهِ/ حينَ يعشقُ أحجارَه / واهباً ظمأ الصخرِ/ شكلَ النشيدْ/
بالحنانِ يُعلِّمني أن أرى بيرقاً راقِصاً/ في مداميكِ أحجارِهِ/ شامةً في جبين البلادْ/
بالأنينِ يوشِّحها في البعادْ/ ويفيضُ بلوعتهِ راجعاً/ ويُعلِّمني من هواه المزيدْ".
إذاً تغيرتِ النبرة، وأصبحت خافتة، ومتوارية وعميقة، تغير ارتفاعُ الصوت، وخفَّ البكاءُ الواضحُ والشجو. خفَّت الرومنسيّة... لكن الرثاءَ.... استمر.

إضاءات- د. ثائر زين الدين


طباعة