في إحصاءات الترجمة

قليلاً ما نجدُ إحصائيات دقيقة تبيّن لنا أعداد الكتب التي ترجمناها إلى العربية من لغات العالم، أو ما تُرجِمَ من العربيّة إلى مختلف اللغات؛ فلو أردنا الآن أن نعرف ما نشرته مثلاً دور النشر السوريّة مِنَ الأعمال المترجمة إلى العربية في هذهِ السنةِ أو تلك، وخلال العقد الماضي أو الذي سبقه، فلن نتمكّن من ذلك بالدقّةِ المطلوبة وهي مسألة يُرجَعُ بها عادةً إلى المكتبات الوطنيّة ومعاهد الأبحاث والمدارس المُختصّة وما شابه.
ومن الجهودِ المهمّةِ في هذا المجال الثبت الذي بدأت تُصدرُهُ اليونيسكو منذ نحو أربعين سنة، بحيث تطرحُ كلّ عام ما تمكّن باحثوها من جمعِهِ في بحوثٍ بيبلوغرافيّة تضمُّ اسم الكاتب وعنوان كتابِهِ ولغتَهُ والبلد الذي صدر عنه واسم المترجم وسنة الإصدار، بل سيجدُ الباحث إحصاءً لعدد الترجمات التي توفّرت لكاتبٍ معيّن وباللغاتِ الموجودة، ومن ذلك مثلاً أن شكسبير حظيَ حتى عام 2019 بـ 4296 ترجمة في العالم، وجول فيرن 4751، ودوستويفسكي 2342 وماركس 1646 وماركيز 1396 وما إلى ذلك، ويرى د. جمال شحيّد أن هذا الثبت "يُعدُّ كنزاً ثميناً للمترجمين والمهتمين بتطوّر الترجمة؛ فمن خلالِ تصفّحِهِ نلاحِظُ أن مجموع الترجمات قد تضاعف بنسبة 50% في جميع لغات العالم بين 1980 و 2000"، ومن الجهود المهمّة في هذا المجال كتابُ "ترجمة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في العالم العربي المعاصر" الذي وضعَهُ نخبة من الباحثين بإشراف الأستاذ ريشار جاكمون وصدرَ في الدار البيضاء عام 2007 وقد أشار بحثُ الدكتور المغربي عبد السلام شدّادي إلى أن "الترجمة لا يمكن أن تنفصل عن السياق الحضاري العالمي والوطني والإقليمي. وتوقّفَ عند التعليم والبحث العلمي في العالم العربي، وقالَ إنَّ العرب خلال الخمسين سنة الأخيرة ترجموا إلى العربيّة نحو 10،000 كتاب، منها 4000 بدعمٍ من مؤسساتٍ أجنبيّة، أي ما يُعادل 200 كتاب سنويّاً لـ 420 مليون عربي عام 2007، أي ما يُعادل كتاباً واحداً لكل 2،100000 ورأى أن العالمَ - عموماً - ترجمَ 80 ألف كتاب عام 2007، أي بمعدّل كتاب واحد لكل 80 ألف شخص. وأكّدَ أن المجتمع الدولي هو مجتمع معرفة وتلعبُ فيه الترجمةُ دوراً حاسماً" .
ويرى ريشار جاكمون أن برامج الترجمة الأجنبيّة أدّت دوراً كبيراً في تنشيط الترجمة في بعض البلاد العربيّة ومنها "منشورات فرانكلين 1950 - 1978"، "وهو برنامج أمريكي أُنشئَ في القاهرة وبعض عواصم العالم الثالث، لصدّ التوسع السوفييتي في العالم. وأصدرت دار فرانكلين القاهريّة ما بين 1000 إلى 1300 عنوان، وخَلَفهُ في القاهرة منتصف عقد 1980 (مكتب الكتاب) التابع للسفارة الأمريكيّة في القاهرة" وقد أنجزَ هذا المكتب ترجمة 150 عنواناً بين عامي (1990 -2005)، كما يشير الباحثُ إلى أنّ المركز الوطني للكتاب في فرنسا دعَمَ مشاريع ترجميّة في بعض الأقطار العربيّة؛ فترجمت دور النشر اللبنانيّة المدعومة 180 كتاباً، والسوريّة 40، والمغربيّة 80 والتونسية 80، وحظيت الجزائر بمعاملة فرنسية خاصة تناولت 250 عنواناً.
ولا ينسى جاكمون المشاريع العربيّة للترجمة، وينقل عنه د. شحيّد: "وأوّلها مشروع "ألف كتاب" - 1955 / 1968، الذي أطلقه طه حسين عام 1955، وثانيها مشروع "الألف الثانية" بمبادرة من د. جابر عصفور واحتُفِلَ بإنجازها في شباط 2006. ولا ينسى الباحثُ سورية التي يراها تحتل المركز الثاني في الوطن العربي بحجم الترجمات، ويذكر أن وزارة الثقافة السوريّة بدفعٍ من الأستاذ أنطون مقدسي، والسيدة الوزيرة نجاح العطّار نشرت ترجمة 1400 كتاب ما بين عامي 1960 و 2004 (ونصفها عن الفرنسيّة). وهنا لا بُدّ لي شخصيّاً أن أضيف أننا قمنا بإحصاء جديد في الهيئة العامة السوريّة للكتاب ووجدنا أن عدد الكتب المترجمة المنشورة من قبل وزارة الثقافة بما فيها الفترة التي أُحدثت فيها الهيئة العامة السورية للكتاب (2006 - 2020) قد بلغت حتى اللحظة 2024 كتاباً، يُضاف إليها ما تُرجِمَ للأطفال والفتيان في فترة عمل الهيئة وهو يبلغ 169 كتاباً وكُتيّباً، فيصبح المجموعُ 2193 كتاباً ويتابعُ المشروعُ الوطني للترجمة الذي أطلقتهُ هيئة الكتاب عام 2017 طرح الترجمات المهمّة من مختلف لغات العالم، ولكننا لا نعلم عدد الكتب المُترجمة التي صدرت عن دور النشر الخاصة خلال هذا الزمن في سورية، بالتأكيد هي أرقام لا ترضي طموحنا ولكنّها تؤكّد أننا نتابعُ الحياةَ بالرغم من كل ما مرَّ علينا وكل ما عانيناه...

 إضاءات - د.ثائر زين الدين


طباعة