البحثُ عَمّا يجمع ويوحد..

هل نحنُ أمامَ مِيزة وطنيّة بامتياز؟! أم أنها اللحظة التاريخيّة، أم هي المؤثرات الخارجيّة، أم بذورٌ قديمة انتظرت الظروف المناخيّة المناسبة فبدأت تنتش وتعلو سويقاتُها وتزهِرُ فروعُها السامة... قد يكون السببُ هو حصيلةُ كل ما سبق، لكننا في كل الأحوال نسبقُ الأمم كلها في البحث عَمّا يفرِّقنا، مع أنّ العوامل التي تجمعنا وصلات الرحم الماديّة والروحيّة بيننا أكثر مما هو موجود عند غيرنا من الشعوب كلّها، ولا أبالغُ في ذلك... إذن ما الذي يجعل كثيراً منا يبحثونَ عن عوامل التفرقة، ولا أقول بينَ العرب بصورةٍ عامة، فهذهِ مسألة باتت معروفة منذ مئات السنين، بل في القطر الواحدِ وحتى في المحافظةِ الواحدة، في لحظاتٍ هي الأخطر في تاريخنا كُلِّه.

ولا شكَ عندي أنّ المؤثر الخارجي يؤدي دوراً خسيساً خطيراً ومنذ زمن بعيدٍ كما أشرت؛ منذ سنواتٍ قرأتُ مذكرات مستر هامفر الجاسوس البريطاني ولا أستطيعُ أن أنسى ردّ الخارجيّة البريطانيّة عليه عندما أرسلَ لها رسالته عن أهل البصرة؛ واصفاً إياهم بأنهم أقارب ويعيشونَ في وئام ويتزاوجونَ فيما بينهم ويلبسونَ الملابس نفسها ويأكلونَ الأطعمةَ نفسها مع أنّهم -كما سَمِعَ- ينتمونَ إلى مذهبين دينيين، يومها رَدّت الخارجيّة البريطانية على هامفر: "ابحثْ عن عوامل الخلافِ بينهما، وعَمّا يفرقهما"، وهذا الأمر حدثَ نحو 1773م و.... لكن إذا كانت دوائرُ خارجيّة تشتغل على ذلك. فلماذا يكون كثيرٌ منّا دون أن يدري أدواتٍ لها...

أسوقُ لكم على سبيل الفكاهة حادثة يتندّرُ بها مجموعة من أصحابي الذين كانوا حاضرين: "في إحدى مضافاتنا غير الصغيرة، تجتمعُ عائلة مهمّة تسعينيات القرن الماضي، تناقشُ أمور العائلة عموماً، فتصل إلى بُندِ إنشاءِ صندوقٍ للعائلة، وهنا يقدّم معظم الحاضرين آراءَهم في الأمر فإذا ما ذكَرَ أحدهم ضرورة أن يكون الصندوق للعائلة كلها يعلو صوتٌ جَهْوَري رافضاً أن يضمّ الصندوق "جُبَّ - فرعَ" فلان من العائلة، ويضحكُ صوتٌ متنور قائلاً له: "يا رفيق حَمَدَ البارحة كنت تنادي بجمع العرب من المحيط إلى الخليج... وها أنت ترفض أن تجتمع مع ابن عمّك في صندوق مالي..."

وليسَ الأمرُ في الأدب بعيداً عن ذلك... فأذكرُ أنّ معظم شعرائنا في ستينيات القرن الماضي خاضوا معاركَ بكل معنى الكلمة منقسمين إلى شعراء يدافعون عن القصيدة العموديّة وآخرين يدافعون عن قصيدة الحداثة (التفعيلة) ثُمّ انشقَ عن الفريق الثاني نفرٌ يدافعون عن قصيدة النثر ويهاجمون الفريقين السابقين وما زالت الحرب مستمرة حتى الآن!!، وسنجدُ مثلها بينَ أنصار القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، وبين أنصار اللوحة الواقعيّة واللوحة التعبيريّة والتجريديّة وما إلى ذلك...

لعلَّ ما دفعني إلى الحديث في هذا الموضوع الذي يستطيعُ كُلّ منكم أن يضيف عشرات الأفكار إليه، هو ارتفاع أصواتٍ كثيرة منذ بداية الأزمة السوريّة حتى الآن تحاولُ أن تجدَ تناقضاً بينَ أن تحبَّ موروثكَ وحضارتك وثقافتك السوريّة القديمة وتؤمن بها وبدورها الإنساني العظيم من جهة وبينَ أن تحب حضارتك العربيّة ولغتك العربيّة وشِعرَ أبناءِ جلدتك من الجاهليّةِ حتى الآن مُسلمةً ومسيحيّةً...

وبدأ كُلّ من الفريقين يهاجمُ أو يُقلّل من شأن رموزٍ حضاريّة شغلت العالم كُلّه ذات يوم ظاناً أنّها إنّما تعني خصمه الفكري فقط، وأن لا شأن لهُ بها وهو إليها أقرب مما يظن...

فواحدٌ يهاجُمُ اللغة العربيّة والرموز العربية الإسلاميّة مُعتقداً أنها تُعادي حبّه لسورية القديمة (الفينيقية والآراميّة والكنعانية و....) وآخر يهاجُمُ زنوبيا وأوغاريت وإيبلا وعشتار وإنانا ومردوخ وبعل وإيل... إلخ ظاناً أنّ هذهِ الرموز الحضاريّة تتناقض مع مفهوم العروبةِ والفكر القومي العروبي...

ومتى تعودُ هذه الأصوات إلى الارتفاع؟؟؟ اليوم! والطرفان مُهدّدانِ باجتياحِ داعش والنُصرة والأمريكان وغيرهم له، ولكل ما يمتّ لسورية وللعروبة بصلة...

إنّ في دمِ كُلّ سوريٍّ أيّها الأعزاء تجري دماءُ أسلافٍ قد لا يستطيع أن يتخيّلَ تعدّدهم وتنوّعهم وألوانهم ولغاتهم وأديانهم عَاشوا على هذهِ الأرض وزرعوا معاً وحصدوا معاً.. وتقاتلوا ذات يوم وتحابوا في يوم آخر، واتحدوا معاً أمام الأخطار الخارجيّة وحاربوا معاً وهزموا وانتصروا... وسوفَ يبقونَ معاً وينتصرونَ معاً فيما لو أدركوا أن ما يجمعهم هو أضعاف ما يفرِّقهم...

إضاءات السبت- إضاءات د. ثائر زين الدين


طباعة