التابعة

 thaer_zineldeen.jpg

كانت جَدّتي أم سليم توقظُ النائِمَ مِنّا إذا ما لاحظت أنّه يُعاني من كابوسٍ مزعج، ولا يستطيع الاستيقاظ، وتسقيهِ ماءً وهي تبسِمل وتخزي الشيطان، وقد تقول: "ما تخاف ياستّي، هذهِ تابعة، راحت ما رح ترجع". وارتبطَ بذهني مفهوم الكابوس المخيف الذي لا يستطيع الشخص أن يتحرّرَ منه "بالتابعة"، التي لم أفهم كُنهها يوم كنتُ ولداً، ثُمّ بدأت أسمع هذهِ التسمية عندما كبرت وهي تُطلَقُ على شياطين الشِّعرِ عند العرب، حتّى قرأتُ رسالةَ ابنِ شُهيد الأندلسي "التوابع والزوابع" التي حققها وشرحها بطرس البُستاني، وصدرت في بيروت عام 1951، وابن شُهيد أديبٌ وشاعرٌ أندلسي معروف ولدَ عام 992م، وتوفي عام 1034.

وقد وردَ مفهوم التوابعِ عند أبي عامر بن شُهيدِ بمعنى شياطين الشعراء والأدباء وهي كما جاءت في الرسالةِ المذكورة -وفي غيرها من المراجع- كائنات غير إنسيّة، لا تضرّ أحداً، بل تُسخِّرُ قدراتِها ومواهبها في الشعر والنثر لبشريٍّ موهوب، فتضَعُ الكلامَ على لسانِهِ، وتطرحُ جذوةَ الإبداع في قلبه، فإذا هو غير سواه من البشر، إنّه شاعرٌ أو ناثرٌ مبدع لا يشبه أحداً.

إذن فالتابعة هنا ليست كما وصفتها جَدّتي، وهي لا تسبب الكوابيس، بل تحثُّ على الإبداع وتنقذُ الشعراء من مأزقهم أحياناً، كما حدثَ مع جَرير ذات يوم حين مكثَ ليلةً كاملة لا يستطيع أن يقول بيتاً واحداً ورسولُ بِشر بن مروان ينتظرُهُ، فهتفَ بهِ صَاحبه من الجن من زاويةِ البيت: "أزعمتَ أنكَ تقول الشِّعر، ما هو إلّا أن غبتُ عنكَ ليلةً حتى لم تحسن أن تقولَ شيئاً، فهلّا قلت:

يا بِشرُ حُقَّ لوجهكَ التبشيرُ هَلّا قضيت لنا وأنتَ أميرُ

فقال جرير: "حسبُك، كفيتُك" وما زالَ حتّى أتمّ القصيدة.

وكما حدثَ مع الفرزدق مِراراً؛ فطلبَ تابعتَهُ هائماً بين الجبالِ وفي الأودية فوقَ ناقتِهِ حتى يهبطَ عليهِ الشعر...

في رسالةِ أبي عامِر التي قسمها البستاني إلى مدخل وأربعة فصول، وتكادُ تكونُ أنموذَجاً سابقاً في كتابةِ الرواية لو انتبَهَ إليها نُقّادُ السرد العرب والأوربيّون، وقد تقدّمت رسالة الغفران للمعري بنحو تسعِ سنواتٍ على الأقل، في الرسالةِ المذكورة يتجشّمُ أبو عامر عناءَ الرحلةِ الأدبيّة إلى وادٍ يشبه وادي عبقر، ولعلّه هو، رغبةً في لقاءِ توابع الشعراء والكتاب ليجيزوه في النظم والنثر، يصحبُهُ في رحلتِهِ ويعينُهُ عليها تابعُهُ زهيرُ بن نُمير، الذي يطيرُ بهِ على متن جوادِهِ حتى ينزلَ وادي الأرواح، فيزورَ صَاحبَ امرئ القيس وصَاحبَ طَرَفة بن العبد من الجاهليين، وتابِعَ أبي تّمام، فيعترضُهُ شيطان قيس بن الخطيم، ثُمّ يسيرُ إلى توابع الطائيين وأبي نواس، وينتهي بهِ المطاف عند صَاحبِ أبي الطيّب المتنبّي، وفي زياراتِهِ هذهِ يساجل الشعراء وشياطينهم، ويعارضهم ويُذاكرهم ويأخذ الإجازة منهم. ثُمّ ينتقلُ إلى توابع الكتّاب، فيلتقي تابعي الجاحظِ وعبد الحميد، ثم تابع بديع الزمان الهمذاني، لكنّ الأطرف من هذين الفصلين هو الثالث الذي يحضرُ فيهِ أبو عامر وتابعُهُ مجلس أدبٍ من مجالسِ الجن، فنجدُ بين هؤلاء نُقّاداً يناقشونَ أبياتاً لشعراء بينهم النابغة وعمر بن أبي ربيعة وامرؤ القيس وسواهم، ثم يختُمُ أبو عامر رسالتَهُ بالفصل الرابع (حيوان الجن)، وهو فصلٌ شديد الظَّرْفِ والطرافة يشرفُ فيه أبو عامر وشيطانُهُ على نادٍ لحميرِ الجنِّ وبغالهم، وقد وقَعَ الخلافُ بينها في شعرينِ لحمارٍ وبغل عاشقين، فتدعوهُ للحكم فيهما، ويلتقي بغلةَ أبي عيسى ويتحدّث إليها، ويتذاكرانِ دار الأُنس، ثُمّ تعترضهُ إِوزّة في بركةِ ماءٍ، فإذا هي تابعة لبعضِ الشيوخِ، تُريدُ مناظرته في النحو والغريب، فيردعها وما إلى ذلك...

وجَّهَ ابن شهيد رسالتَهُ إلى رجلٍ يُدعى أبو بكرِ بن حزم، كما فعلَ المعرّي بعد ذلك بسنوات حين وجّهَ رسالته إلى ابن القارح، لكن ابن شُهيد لم يذكر صَاحبه إلّا في السطور الأولى من رسالته، ثمّ سكتَ عنه، وجعَلَ من نفسهِ بطلاً للقصّة تدور حوادثها حوله، مُستَصحباً تابعه زهير بن نمير الذي بدا شخصيّة ثانويّة تماماً مهمّتها التعريف بالشخصيات والأماكن. الطريف في هذهِ الحالةِ العربيّة عموماً أنّ الشعراءَ أنفسهم والناس من حولهم نسبوا العمليّة الإبداعيّة -وإن اختلفوا على الكيفيّة التي تَحْدُثُ بها- إلى الوحي، لكنّهُ وحيٌ يأتي عن طريق توابع (شياطين الشعر)، وليسَ عن طريقِ ملاكٍ كما هي الحال مع الأنبياء، أو عن طريق إلهٍ للفن كما هي الحال عند اليونانِ (أبولو)، أو ربّاتِ الشعرِ الملهماتِ أيضاً عند اليونانِ والرومان، بل سنجدُ لكلِّ شاعرٍ شيطانَهُ الخاص، فشيطانُ النابغة الذبياني هو هاذر بن ماذر، وشيطان الأعشى هو مِسحل بن أُثاثة، وشيطانُ امرئ القيس هو لافظُ بن لاحظ، وشيطانُ عَبيد بن الأبرص هو هبيد وهكذا دواليك، وكل شاعرٍ يزعمُ أنّ شيطانَهُ هو الأقدرُ والأذكى والأشجع، حتى ذلكَ الفتى الصغير الذي كانَ الناسُ والشعراءُ لا يأبهون له لحداثةِ سنه نراهُ يصرخُ بهم:

إنّي وإنْ كنتُ صغيرَ السنِّ

وكانَ في العينِ نبوٌّ عَنّي

فإنَّ شيطاني مليكُ الجنِّ

يذهبُ بي في الشعرِ كُلَّ فَنِّ

وفي تنويعٍ لطيفٍ على هذهِ الحالةِ ابتكَرَ العربي شيطاني شعرٍ مختلفين تماماً هما الهوبر والهوجل، فمن خالَطَهُ أو انفردَ بهِ الهوبر جاءَ شعِرُهُ جيّداً جميلاً، ومن كان نصيبُهُ صحبةَ الهوجل جاء شِعْرُهُ رديئاً فاسداً؛ إذنْ حتى الشعر الرديء سببُهُ شيطانٌ ضغيفٌ لا موهبةَ أدبيّةً لديه!! وعلى أيّ حال لا أعلمُ من أين جاءَ المُعْتَقدُ الشعبي الذي نسبَ لتابعةٍ ما إرسالها الكوابيس المخيفة لبني البشر، وجعلهم يتفصّدونَ عرقاً وهم نيام، ويهذرونَ بكلامٍ غريب، فلا يستطيعونَ الاستيقاظ إلا إذا سَخّر لهم الله امرأةً طيّبة كجدتي أم سليم، أو أماً رؤوماً كأمهاتنا الرائعات تدفعهم إلى الاستيقاظِ دفعاً ليّناً... لكنَّ للأمرِ جذراً قديماً، ولا شك أننا قد نقعُ عليهِ ذات يوم.

إضاءات - د. ثائر زين الدين


طباعة