إعادة تعويم «داعش»


ترسم الإحداثيات الأخيرة التي تشكلت على هامش التطورات الميدانية قراراً أميركياً واضحاً بإعادة تعويم داعش، حيث بدا من البداهة بمكان أن ما يجري أمام الأعين الأميركية وتحالفها العدواني شرق الفرات ليس ببعيد عن النيات المبيتة في إعادة استخدام التنظيم الإرهابي، مع ما يقتضيه من إضافات تمليها المهمة الوظيفية المحدثة، سواء كان بغرض ملء فراغ بدأت تستشعر فيه واشنطن، أم اقتضت الضرورة السياسية الضغط باتجاه إشغال الوقت.
فالإدارة الأميركية لن تعييها الحيلة في إيجاد الذريعة التي يمكن أن تشكل غطاء تعتمده في سياق الأهداف الخفية التي ترسمها، ولن تجد حرجاً في التخلي عن أذرعها ومرتزقتها المحليين والإقليميين حين تقتضي الضرورة ذلك، وإن كانت ستُثير زوابع من الأسئلة المؤجلة حول الأسباب الحقيقية التي تدفع إلى العودة في الاستثمار بالإرهاب وتحديداً داعش، مع الإضافات التي تفرضها تلك العودة والأسرار الكامنة خلف النفخ في إرهابييه بعد أن كانت كل القراءات تنحو باتجاه نعي التنظيم في المنطقة، ولا سيما في سورية والعراق.
في الإجابة عن تلك الأسئلة تحضر سلسلة من الاحتمالات الموازية على الخط المرتبط أساساً بالذرائع الجاهزة، التي تزامنت مع القرار التركي الموجه لمرتزقتها بالتحضير لمعركة شرق الفرات مع ما تفرضه تلك التحولات من استنتاجات تبدو حمّالة أوجه في فهم الأهداف والغايات التي تقف خلف القرار التركي وحدود تقاطعه مع التفاهمات الأميركية، خصوصاً بعد الانكسارات التي واجهتها مرتزقة أميركا في المنطقة وعودة داعش للاستيلاء على ما كانت الميليشيات المدعومة أميركياً قد كسبتها، والذي ترافق بقرار من تلك الميليشيات بوقف المعارك مع داعش قبل أيام قليلة.
على المنحى ذاته كانت التسريبات المتصلة بالدور القادم لتنظيم داعش في العراق قد تم إحياؤه، وسط حالة من التهويل والمبالغة المتعمدة التي تشير بوضوح إلى أن الإدارة الأميركية بصدد الاستثمار السياسي دعائياً وإعلامياً أكثر مما هو ميداني، لأن المعطيات تشير إلى أن الإرهابيين الذين سبق للإدارة الأميركية أن استبقتهم وقدمت لهم الحماية بعد أن أنقذتهم طائراتها، ونقلت قادتهم مسبقاً جاءت لحظة الحاجة الفعلية لاستخدامهم.
هذا - من حيث المبدأ- يؤشر إلى أن القرار الأميركي بإعادة تعويم داعش ليس قراراً مفاجئاً أو تم إدراجه على جدول أعمال السياسة الأميركية من خارج الأجندة السياسية، بقدر ما يعكس نيّة مسبقة تمّ التخطيط لها، ويبدو أن الفرصة حانت للاستخدام مرة أخرى، لأن التحرك التركي يعكس إلى حدٍّ بعيد فشل الرهان على المرتزقة الأميركيين، ويتيح فرصة لداعش كي يعيد تشكيل حضوره الجغرافي، حيث المواجهة مفتوحة بين الوكلاء، بينما الأميركي والتركي يتقاسمان المهمة ويحصدان الغنائم السياسية في الاتجاهين.
المعادلة الأميركية التي تفرضها بقواعد الاشتباك الخاصة مع داعش تعيد تظهير المشهد من زوايا الأهداف والغايات التي تحكم السياسة الأميركية، وتفرض معاييرها للمرحلة القادمة من منظور العمل على تعويم جديد بمواصفات تتحكم بتفاصيلها التي تريد من خلالها أن تمرر ما تُعدّ له من صفقات جانبية تحت ظلال التطبيع الخليجي، الذي تريده أميركا أن يوصلها في نهاية المطاف إلى تمرير صفقة القرن، رغم إدراكها أنها صفقة عسيرة على الهضم ومستحيلة الفهم والتفسير، وحظوظها في النجاح كحظوظ داعش في البقاء، والأهم أن حاصل الرهان على أدواتها الوظيفية يساوي في محصلته النهائية الفارق الذي سيبقى مستعصياً على امتلاك أي مشروعية، وهو ما ينسحب على صفقاتها ومرتزقتها.. كما يطول محاولتها اليائسة إعادة تعويم داعش.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

بقلم رئيس التحرير: علي قاسم
التاريخ: الثلاثاء 30-10-2018
الرقم: 16823