اللعب بالنار..!!

 

لم يكن الأمر بحاجة إلى انتظار نفي وزير الخارجية الأميركية، لنتأكد أنَّ ما أقدمت عليه الإدارة الأميركية من نزع صفة الاحتلال عن الأراضي العربية المحتلة، لم يكن خطأً، وأنها لم تسقط سهواً، وأنَّ ما ورد في تقرير الخارجية الأميركية، لم يأتِ عفو الخاطر، وإنما جاء مقصوداً بذاته، ومتعمداً بعينه.
فالسياسة الأميركية لا تحتمل المصادفة، ولا تعترف بها، وهي التي تقيس كلماتها بالمسطرة والحرف، لتكون على مقاس الأطماع الإسرائيلية، بدليل أن الرئيس الأميركي لم يتأخر في ارتكاب حماقة جديدة، حين أعلن أن الوقت قد حان للاعتراف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان العربي السوري المحتل، في سابقة لن تُبقي للسلام فسحةً، ولا للاستقرار مكاناً.
المعضلة أنّ التعاطي الأميركي في ظل إدارة ترامب يواظب على توظيف فائض القوة المتوحش، حتى في الدبلوماسية، حيث لا يستطيع أن يخرج بأي حال من الأحوال عن النسق الذي بات من خلال الأمر الواقع السمة الأساسية الملازمة، والتي لا يحيد عنها في كل المقاربات بعيدها وقريبها.
فهي لم تكتفِ بنزع صفة الاحتلال عن الأراضي العربية المحتلة، كما ورد في تقرير خارجيتها، بل أردفتها بحملة من العلاقات العامة للشرح، يطول التوقف عندها، وتحتاج للكثير من الشرح المسهب لتداعياتها، حيث بدت في المحصلة النهائية مع كل أعذارها أقبح من الذنب الذي اقترفته خارجيتها، والتي توّجها الرئيس ترامب بتغريدة تشبهه، وتعكس غطرسته.
فالتوضيح جاء متخماً بلغة الإقرار والتعمّد في تمرير المصطلح، كقصف سياسي وإعلامي، يمهد للخطوات الأميركية القادمة، بما فيها تلك التي ستدرج على قائمة جدول أعمال مؤتمر إيباك، وتحويل المناسبة إلى لائحة ترسم ملامح المرحلة المقبلة على ضوء ما تعدّه الإدارة الأميركية، وخصوصاً بعد أن سبقتها في قصف تمهيدي تصريحات السيناتور ليندسي بخصوص الجولان.
دينس روس المعروف بولائه للوبيات الضغط الصهيوني، رأى في الحديث الأميركي مجازفةً كبرى، وجاء الوصف بصيغة التحذير من اللعب بالنار، ولعله في ذلك يشير إلى المخاطر التي تعكسها تلك التحرشات بالثوابت التاريخية للمنطقة، مذكراً بما ذهب إليه أربعة رؤساء حكومات، اعترفوا بالسيادة السورية على مرتفعات الجولان، وتفاوضوا على ذلك، أو بالأقل قبلوا التفاوض من حيث المبدأ.
وهذا التحذير لم يكن الوحيد أو اليتيم، فقد سبقه إليه بعض الإسرائيليين، حين ألمحوا إلى المخاطر المترتبة على أي خطوة أميركية بهذا الاتجاه، مذكرين ببعض العواقب، ومتغافلين عن بعضها الآخر، كما هي العادة، في سياق مرافعاتهم المبتذلة لتسويغ هذا الانصياع للرؤية الإسرائيلية.
المشكلة ليست في هذه التحذيرات التي لن توصل إلى أي مكان، ما دام هناك عقل متغطرس، يقود السياسة الأميركية التي لا ترى إلا بالعين الإسرائيلية، ومادام هناك إدارة تمارس غطرستها المفرطة وفائض نفاقها السياسي والدبلوماسي بكثير من العنجهية، معتمدةً على حالة استلاب، تريد أن تصادر من خلالها الإرادات، وأن تحل مكان الشرعية الدولية وقوانينها ومقتضياتها.
الفرق هنا ليس في صياغة تقرير، ولا في تمرير مصطلح أو إسقاط صفة، بل في نهج يعيد ارتكاب أخطاء وخطايا على وقع لعبٍ بالنار على حواف هشيم مشتعل، ستحرق حسابات ومعادلات، وما تنتجه الصفقات السرية والعلنية، على الرغم من اليقين، أنها تولد في أغلبها ميتةً، وتحمل بذور فنائها بنيوياً، فالتاريخ لا يلغيه قرار، والجغرافيا لا تصنعها نزوة إدارة تمارس حماقتها وسعارها، ولا تعدّل فيها رغبة محتل، طالما كتبت إرادة السوريين بوضوح.. الاحتلال زائل، والغطرسة إلى انتهاء.. وما يفعله ترامب تعميم الخراب والدمار، والتاريخ منه براء..!!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

بقلم رئيس التحرير: علي قاسم
التاريخ: الجمعة 22-3-2019
الرقم: 16938