ولائم الغرب وخبز ساسته..!!

 

 

 

تستعر الأكاذيب الغربية حين يكون هناك تطبيل للحروب، وينكفئ الحديث وفي بعضه يبتلع المسؤولون لسانهم صمتاً حين تتكشّف الحقائق، وهذا يتساوى فيه الساسة مع الدبلوماسيين، ولا يشذ عنهم رؤساؤهم، ويجاريهم الإعلام الغربي الذي يجد نفسه غير معني إلا بترويج الأكاذيب، وما ينكشف لا يشكل بالنسبة له أيّ قرينة للرجوع عن الخطأ، الذي سبق له أن اقترفه عن سبق إصرار وتعمُّد.
ورغم ما يظهر من انقشاعات تؤشر إلى احتمال بدء مرحلة المراجعة، التي يعوّل عليها البعض من أجل إنتاج خطاب إعلامي غربي شبه موضوعي في الحد الأدنى، فإن ما رأيناه حتى اللحظة من انزلاق على وقع خطوات ترامب وفريقه لا يمكن التعويل عليه، ولا الرهان على معطياته لقراءة مقاربة غربية تحاكي الواقع من دون كذب ومبالغة وفبركات، أو يكون في أفضل حالاته رؤية فردية أو أصواتاً معزولة لا تعكس توجهاً عاماً يمكن البناء عليه.
وحتى السياسيون والخبراء الذين يتعرضون للخديعة السياسية والإعلامية، أو يخضعون للضغط والابتزاز، لا نلمس فارقاً لديهم بين ما كان في حقبة الأكاذيب والفبركات، وما يطرأ عليه حين تنكشف الحقيقة، أو حين تظهر الدلائل على أنَّ ما تمّ تسويقه كان مخالفاً للواقع ومجافياً للمنطق.
المعضلة التي كان يعتقد الكثيرون أنها في تسلّط مراكز القوى والنفوذ في العالم الغربي وسطوتها وهيمنتها على وسائل الإعلام، لا تقتصر على ذلك، بل تشمل أو تنسحب على الأشخاص الذين كانوا وقوداً لأكاذيب ساسة ودول ومنظمات وخبراء وأفراد منتفعين ومرتزقة، حيث يتساوى الجميع في الكذب، كما يتساوون في ابتلاع ألسنتهم حين تظهر الحقائق، لتبقى «الفزاعة» التي يلوّح بها هذا الغرب المتحضّر، كلما شعر بالمأزق، أو اقترب من حافة الإفلاس.
القضية التي تعترف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو على الأقل خبراء شاركوا في إعداد تقريرها بأنه لم يكن منصفاً ولا مهنياً، بل كان مسيّساً في معظم استنتاجاته، رغم يقيننا أنه كان كذلك من ألفه إلى يائه، لا يزال هناك من يعيد الترويج لكذبته والنفخ في قربتها المثقوبة، وهناك من يطبّل لها في وسائل الإعلام الغربية، ويهوّل من تداعياتها والهوامش المفتوحة في سند الادعاء.
الشكوى من التعاطي الإعلامي الغربي مع الأكاذيب المحضّرة لم تعد تقتصر على ما نثيره من تشكيك ومن ارتباك الرواية الغربية.. السياسية والإعلامية، بل وصلت إلى إعلاميين ونخب ومفكرين يشكون من المعضلة ذاتها، ومن الكارثة نفسها، وهو أن الأكاذيب التي تتكشف لا تأخذ المساحة المطلوبة في وسائل الإعلام، بل هناك تجاهل لها بالمطلق وصمت مطبق في التعليق أو التعقيب عليها، والحال ذاته ينسحب على ساسة يتذمّرون من تجاهل تحذيراتهم مما هو آتٍ.
في زمن يكون الكذب هو الرائج الوحيد، وفي حقبة يكون الافتراء على الحقيقة والواقع هو السائد، لا بد من بدائل تكون على المستوى ذاته، لكنها لا تقتصر على الحقيقة ولا الوقائع، ولا تنتظر انكشاف الحقائق ووضوح المعطيات، فكم من كذبة دمرت بلداناً، ولنا في العراق وسواه قرينة، وكم من افتراء تجنّى على شعوب عانت منه الويلات، وتمَّ تقسيمها وتجزئتها وتدمير مقدراتها وتحطيم عوامل وجودها، وستبقى الأكاذيب وليمة الغرب، بينما الافتراء خبز ساسته اليومي، لكي تستمر هيمنته لتسخير مقدرات الشعوب ونهب ثراوتها، حيث الكذب مباح، والافتراء متاح، والثواب أو العقاب ليس مدرجاً على خانة القيم الغربية.
بقلم رئيس التحرير عـلي قـاسـم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التاريخ: الأحد 26-5-2019
رقم العدد : 16986