الاصطفافات المأزومة..!!

 

 

تأخذ العربدة الإسرائيلية الأخيرة سياقاً يبدو مغايراً للنمط الذي سارت عليه مختلف ممارسات إسرائيل من عدوانية، وإن تلاقت في الشكل مع سابقاتها، وتحديداً في ظلّ تدحرج الأزمة الناتجة عن فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة والهروب إلى إجراء انتخابات مبكرة، والتي أرادها أن تكون إضافة مفصلية في صندوق الانتخاب.
فالواضح أن نتنياهو تعمّد الإفصاح عن عدوانه الأخير على غير عادته حين كان يتكتم على عدوانيته قدر المستطاع، في رسالة أراد منها أن تكون على مقاس تمنياته في تسجيل النقاط على خصومه في الداخل الإسرائيلي، بحيث يبقي على خياراته قيد التداول، ويعيد ربط الخيوط في سياق البحث عن مخارج تعيد انتخابه، بعد أن بدا أن الدعم الخارجي ومحاولات إعادة تعويمه غرباً وشرقاً لم تجدِ نفعاً.
والمفارقة أن الإفلاس السياسي الذي يحاصر نتنياهو يدفع باتجاه حسابات خاطئة تزيد الضغوط السياسية من الداخل والخارج، وتترافق بمؤشرات تعثر في صفقة القرن، تضيف إلى الضغوط وتضيّق الخيارات أمامه، فكان الهروب للأمام عبر العربدة الأخيرة جزءاً من سلوك عدواني اعتاد عليه، لا يخلو من المغامرة، خصوصاً أن الوضع الهش في المنطقة لا يحتمل المزيد من الطيش والتهور.
ضمن هذا الهامش يحاول نتنياهو أن يعيد استخدام ورقته في التصعيد والعدوانية إلى مستوى المغامرة، التي تدفع المنطقة إلى حافة الهاوية مدعوماً بضوء أميركي أرعن، لم يترك مجالاً للشك برغبة منظومة العدوان في فك طوق الإفلاس بفتح الاحتمالات الأكثر خطورة، بحيث تكون العربدة الإسرائيلية قصفاً تمهيدياً باتجاه أخذ الأمور إلى المجهول.
هذا ما يراهن عليه نتنياهو للخروج من عنق الزجاجة، حيث يعول على رفع منسوب العربدة لإعادة شدّ عصب الناخبين الذين خذلوه، وأنه لا يزال المتحكم بالقرار الإسرائيلي، بل بمفتاح الحرب القادمة كما يتوهم، حيث يحاول أن يؤشر من خلالها إلى قدرته على فتح جبهات قد تكون حاجة له ولمنظومة العدوان، خصوصاً أن التوقيت ليس مصادفة ولا هو عفو الخاطر.
الفارق أن حصاد منظومة العدوان لا يتطابق مع بيدر العربدة الإسرائيلية، بدليل أن ما كان يطمح إلى تحقيقه سياسياً بدا خاوياً ومن دون أي رصيد إضافي، بل ربما كان في الاتجاه الآخر، حيث راكم من القناعة بأن إسرائيل لم تعد تمتلك القدرة على تحديد ساعات التصعيد وتوقيتها وطريقتها، والأهم أن إفلاس نتنياهو أكثر وضوحاً من أي وقت سابق.
المعضلة التي يحاول نتنياهو ومنظومة العدوان فكّ طلاسمها، جاءت العربدة الإسرائيلية لتضيف إليها المزيد من التعقيد، في ظل تآكل الخيارات البديلة ووصول الأمور إلى الحائط المسدود، بدءاً من فضيحة القرن.. وليس انتهاء بالتأزم الداخلي الإسرائيلي، مروراً بالاستعصاءات التي تخيم على المنطقة، والتي أرادوا من خلال العربدة الإسرائيلية هذه أن تكون قصفاً تمهيدياً لاختبار متعثر بدليل أن الاصطفاف الإقليمي عاد إلى هشاشته التي عكستها «قمم» مكة المأزومة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بقلم رئيس التحرير: علي قاسم
التاريخ: الاثنين 3-6-2019
الرقم: 16992