أبعد من رد

 ربما كانت الأسئلة الكبرى التي دارت على مدى الأشهر الأخيرة.. إلى أي مدى سيستمر الوضع في إدلب، وبعضها كان يُطرح بشكل مباشر متى يكون الحسم، وفي جزء منها متى تنتهي بؤرة الإرهاب في إدلب ومحيطها، وكيف وبأي طريقة، وما هو مصير التنظيمات الإرهابية هناك.. إلى نهاية السلسلة ؟!!
اليقين السوري الذي طبع الخطاب السياسي حتى بتفاصيله الصغيرة، كان يؤشر بوضوح إلى أن إدلب يسري عليها ما سرى على سواها من مدن وبلدات كانت تحت ربق الإرهاب، وأن المسألة في جوهرها ستنتهي إلى حيث انتهى مآل ما سبقها، وهو الخطاب الذي جرى التأكيد عليه في كل مناسبة، رغم المتغيرات والتطورات التي طبعت النقاش حول إدلب، ورغم التأويلات والاحتمالات التي كانت تدور حول مصير التنظيمات الإرهابية.
وعلى الخط ذاته مع التقاطعات التي سرت كان الموقف من الوعود والتعهدات التركية يدور في النسق ذاته، باعتبارها تلعب على حبال الوقت وهو ما وصلنا إليه في نهاية المطاف، خصوصاً بعد الاتفاق الأخير لوقف العمليات الحربية في مناطق خفض التصعيد، الذي خرقته التنظيمات الإرهابية بتنسيق مسبق وربما بتوجيه مطلق ومباشر من النظام التركي، الذي حاول أن يصدّر أزماته وأن يفتعل معارك إضافية لتحسين شروط استمراريته في الدور الوظيفي برعاية الإرهاب.
وهو ما يمكن تلمّسه من اللغة الهشة التي اعترضت فيها الإدارة الأميركية على لسان وزير حربها حول عربدة رئيس النظام التركي وتهديداته، بأن المسألة تحتاج إلى تسريع النقاش، في محاصصة سياسية واضحة على رعاية الإرهاب، والاستفادة من بقاياه وبؤره التي يتقاسم مناطق وجودها الطرفان، والخلاف على طريقة الإدارة والأسلوب ربما، لكنها لا تعدّل في الهدف ولا الغاية، خصوصاً أن الطرفين لا يخفيان الالتقاء على النقطة ذاتها وهي إطالة أمد الحرب بالقدر الذي تتطلبه أطماعهما.
اليوم وصلت الأمور إلى النقطة التي كنا على يقين من الوصول إليها، وهي الانكشاف الكلي لدور النظام التركي في الدفاع عن التنظيمات الإرهابية، وتوفير الحماية للإرهابيين، حاله في ذلك حال الأميركي الذي يوفّر الدعم ويزيد منه للمرتزقة وبقايا الإرهابيين الذين يعيد إنتاجهم على طريقته ليكونوا ذريعة للاستمرار بوجوده غير الشرعي.
ومعها تصل الإجابات المنتظرة التي كان البعض يستخدمها للغمز من قناة الموقف هنا أو هناك، وأن المسألة تقتصر على اللعب في الفراغات الحاصلة سياسياً كما يحلو للكثيرين توصيفها، بغرض المبازرة هنا أو هناك أو بهدف إعادة تعويم الأدوار الوظيفية من أجل إعادة رسم الإحداثيات السياسية والاصطفافات القائمة على أسس مصلحية، وهو ما تنفيه بالمطلق التطورات القادمة وتحسم الجدل حوله.
فالمسألة أبعد من رد.. وإدلب ليست موضعاً للجدل لا في السياسة ولا في الميدان، ولا هي مكسر عصا للمحتلين والمعتدين وحماة الإرهابيين ورعاتهم، بل سياقاً ينسحب عليها ما ينسحب على كل جزء من الأرض السورية، والرهانات عليها أو التعويل على المفازات الناتجة عن الاشتباك على تخوم المنطقة وجوارها الجغرافي كما هو الحال في غير منطقة سيبقى عبثاً سياسياً وعسكرياً لا طائل منه، فإدلب ستعود خالية من الإرهاب كما ستعود الجزيرة السورية خالية من المرتزقة والمأجورين.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الافتتاحية بقلم رئيس التحرير: علي قاسم
التاريخ: الأربعاء 7-8-2019
الرقم: 17043