عبث حافة الهاوية

 لم يكد يُعلن عن الاتفاق الأميركي التركي حتى ظهرت التباينات والتفسيرات والتفسيرات المضادة، التي شهدت توضيحات وتصريحات وخطابات يحاول من خلالها كل طرف أن يعيد تفصيل الاتفاق على مقاس أطماعه، وبما يتجاوز قدرة الاتفاق ذاته، أو في الحد الأدنى يُلبس التفاصيل - كما العناوين - وفق ما يراه مناسباً لخطابه التعبوي، وهو ما ينسحب على الأميركي لتبرير نكوصه مع المرتزقة، كما ينطبق على التركي الذي يجهد لإرضاء إرهابييه.
رغم أن الاتفاق ليس القرينة الوحيدة على التعاطي مع السياق الذي أنتجه توازع الأدوار بينهما، فإن طبخة الحصى التي رشحت من معظم تفاصيله كانت كافية لإعادة التذكير بالعبث المتفق عليه أو المسكوت عنه، في ظل معطيات كانت تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، والتي تجزم بأن الخلاف المصطنع بين الجانبين ليس سوى أحد السيناريوهات المعمول بها في سياق البحث عن تقاسم الأدوار في رعاية المشروع الإرهابي.
فرغم العثرات والتعثر الذي امتد طوال السنوات الماضية، فإن المشهد جاء في التوقيت الذي أراده الطرفان ذريعة للتمترس بمواصلة العدوان، سواء كان بالشكل الاحتلالي المباشر، أم اقتضت الضرورة أن يكون عكازاً لحماية الإرهابيين والمرتزقة، وكل طرف حسب الزاوية التي توفر عليه في الحد الأدنى حرج المواقف والتباينات المختلفة، باعتبار أنه في نهاية المطاف ثمة الكثير من النقاط التي يختلفان فيها، وهناك من يجزم بعبثية الجمع بين الدور الوظيفي للاحتلال ومهمة رعاية الإرهاب الذي يصدّره كل طرف بالنسخة التي تشبهه.
المعضلة أن الاتفاق يفتح الباب على مصراعيه أمام نقاط الصدام أكثر مما يوفر أرضية للتوافق على تقاطع المصالح، التي تبدو متناقضة رغم اليقين بأن النظام التركي لا يستطيع أن يخرج من عباءة دوره الوظيفي في خدمة المشروع الأميركي، على الأقل بجانبه الأطلسي ووجوده كقاعدة ارتكاز في منظومة الناتو، ولم يكن في أي لحظة من اللحظات إلا كما تريده واشنطن ووفق مقاس الدور الذي رسمته له، ومن دون اجتهادات أو خروج على النص.
والأمر يكاد يكون أيضاً مطابقاً لوضع واشنطن التي ستجد في إرضاء النظام التركي صعوبة في القبول لدى رعاة الإرهاب الآخرين وسبباً للامتعاض والنفور، بحيث إن إعادة هيكلة الخريطة الإرهابية وانتماءات التنظيمات داخلها ستصطدم بتلك المقاربات التي تحمل عوامل التناقض من داخلها الميداني، وتداخل أو تعارض المخرجات السياسية التي تصوغها السياسة الأميركية للكبير منهم قبل الصغير .
العبث الأميركي التركي على حافة الهاوية يحاول أن يرسم معادلات خادعة إضافية، ولكنه يفتح أيضاً بوابات النكوص الأميركي والجحود التركي وفق مقاربة الأطماع الغاربة، حيث المحاولة المحمومة لإعادة ترميم ما علق بالتحالفات الأميركية التركية من شوائب، وتعيد في الوقت ذاته تعويم الأدوات والمرتزقة والأجراء وحتى الإرهابيين داخل جحورهم وحسب حجومهم التي استطالت وتورّمت لدى بعضهم.
الفرق البيّن أن لا تفاهم مع الاحتلال ولا تحالف مع المعتدي.. وما يجري يشكل مساحة لمراجعة ترتيب الحسابات وفهم دروس التاريخ.. قديمها وجديدها، يحتاجها كل من غرد خارج حسابات الوطن، لأن الموقع الحقيقي يبقى ضمن الوطن، والخيار الصحيح كان ولا يزال منحازاً للوطن، وسينحاز له في كل وقت، لأن الوطن لا يمكن أن يخسر مهما تعددت أشكال المحتلين، ومهما تناوب المعتدون وكيفما اتفقوا أو تفاهموا، ومهما تغير لبوس الأدوات وأدوارهم، ومهما تعدلت وظائفهم.. سواء جاؤوا بصفة الإرهابي أم كانوا بموقع الأجير أو المرتزق.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الافتتاحية بقلم رئيس التحرير: علي قاسم
التاريخ: الجمعة 9-8-2019
الرقم: 17045