فائض الاشتباك..!!

 

لم تصل المنطقة في يوم من الأيام إلى ما وصلت إليه، بعد أن بات مجمل معطياتها قائماً على الفائض إلى حدِّ التخمة.. السياسي.. والميداني.. والعسكري.. وصولاً إلى الحروب.. كبيرها وصغيرها وبؤر الصراع المفتوحة والمغلقة.. وحتى فائض العدوان بات قرينةً، حيث تمترست خلفه إسرائيل، وبالغت في عربدتها إلى الحدّ الذي يدفع إلى الجزم بأن البعد الانتخابي القائم ليس وحده الدافع خلف المغامرة الإسرائيلية رغم محوريّته، بل تقف وراءه حسابات ومعادلات تمثل منظومة العدوان، التي تتشكل على أرضيتها قواعد الاشتباك الجديدة.
فالمحسوم أن ما تقوم به إسرائيل من عربدة في أنحاء المنطقة ليس وليد الرغبة الإسرائيلية البحتة، بل نتاج واقع ذلك الفائض الذي أطاح حتى اللحظة بتحالفات قامت ولم تعمّر، وأخرى بدت قسرية جاءت تحت ضغط المشهد، وربما في جزء منها تحالفات الكارهين، كما هي تحالفات القابعين على قارب يتهدده طوفان العربدة، الذي يقوده مقامرون وحمقى أنساهم فائض القوة قواعد اللعبة الدولية وإيقاعها الإقليمي، ومعادلات الاشتباك داخلها وخارجها، والأهم فائض الاشتباك وعوامله التي تفيض عن حاجة المنطقة.
المساحات هنا كما الجبهات ليست مرسومة على خطّ واحد، ولا على تقاطع واحد في ظل حسابات ومعادلات متطابقة أو متشابهة، بل يتقاذفها خليط من الفهم القاصر والغرور المنسوب إلى خطأ التشبيك الإقليمي واستحالة التفريق بين قواعد المنشأ السياسي، وتخوم العربدة الإرهابية، التي برزت كسابقة تتقصى المشهد، وتتنازع الصلاحيات في العدوان ضمن منظومة فرّقتها الأطماع، لكن وحّدتها أساليب العدوان والعربدة، أصلاء كانوا أم وكلاء.
في فهم القواعد الماضية واللاحقة لها ثمة مشادات سياسية تقف خلف نسق مهم من الاعتبارات التي جعلت تلك القواعد تبقى على مضض، رغم ما أحاط بها من عواصف سياسية وعسكرية، ورغم الزلازل الجيوسياسية والعسكرية التي عصفت بالمنطقة، بمكوناتها واعتباراتها السياسية والجغرافية وحتى التاريخية، وما نتج عنها من فروقات، كانت بالمجمل تصبّ في كفة الإبقاء على تلك القواعد من منطلق ترتيب الأولويات ومحاولة تخفيض سقوف المواجهة المفتوحة، أو تأجيل ما يمكن تأجيله.
بالمجمل سقطت تلك المعادلات وقواعد الاشتباك بالضربة القاضية، وباتت المنطقة أمام رسم جديد لا يأخذ بالخطوط الحمر وتدرجاتها، ولا يتوقف عند حدود المحظورات التي كانت سائدة، أو هو غير معنيّ بها ولا تخصه، وخصوصاً أنه كان يتم التفاهم على سقوفها حسب ظروف المنطقة، وأحياناً وفق معادلاتها الناشئة على خلفية المواجهة والجبهات، التي كانت تسخن وتبرد وفق اعتبارات وحسابات لا تكون فيها تلك القواعد موضع نقاش، ولا تكون العامل الوحيد الذي يعيد ترتيبها وتحديد اصطفافاتها، وإنما تتداخل عوامل خارجية ترسم جزءاً منها.
العربدة الإسرائيلية أنهت تلك القواعد وما بني عليها لاحقاً تحت تفاهمات غير مكتوبة، هذا على الأقل ما يمكن فهمه من السياق النهائي الذي تعاطت معه مختلف التفاعلات الناتجة عن تلك العربدة، بينما المحاكاة الواقعية للأمور تسير باتجاه التأسيس لقواعد اشتباك من ذلك الفائض، وهي قد تختلف من حيث الشكل والمضمون عن تلك التي أرست معادلاتها نتائج حرب تموز، لكنها لا تحيد عنها في التصميم والعزيمة، ولا تتباين معها في النتيجة بل تزيد عليها، والحصيلة أن فائض القوة الطائشة الذي تعوّل عليه منظومة العدوان يقابله ويتفوق عليه فائض القدرة والاقتدار.. وفائض الخبرة الذي راكمته سنوات المواجهة, وفائض الإرادة والرغبة في الحسم الذي طال انتظاره.. وقد آن أوانه.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الافتتاحية بقلم رئيس التحرير: علي قاسم
التاريخ: الثلاثاء 27-8-2019
الرقم: 17057