المعلن والمخفي..!!

 

تتباين ردود الفعل والتخمينات حول القصف الأميركي الهوليودي لمواقع - اكتشفت على حين غرة - أنها للقاعدة في إدلب، وترتفع وتيرة التكهنات حول الأبعاد والخفايا التي دفعت واشنطن إلى هذا الفعل في توقيت يبدو مقصوداً بحدّ ذاته، وربما كان العنصر الأساسي الذي يراد له أن يكون إضافة من خارج النص، خصوصاً مع التداعيات التي يرسمها انتقاء واشنطن لهذه الأهداف، والطريقة التي كانت خارج سياق اهتمامها حتى وقت قريب.
الفعل الأميركي ليس بريئاً، ولا يمكن أن يكون كذلك، وهو لعب في الوقت المستقطع، وعلى حواف منزلقة عليها أكثر مما هو لها، ولاسيما حين يكون محدداً بأهداف وغايات ليست بعيدة عن الأجندات الأميركية المعمول بها داخل حزام من الافتراضات الموازية، التي تشي بأن الغاية في نهاية المطاف إضافة جزء من معادلة الصراع في الأجندات داخل منظومة العدوان وخارجها.
المعلن أن النصرة بمسمياتها المختلفة وأصولها المتعددة وصلت إلى النقطة التي باتت فيها عبئاً حقيقياً على مشغليها وداعميها، ووفق المعلومات الموثّقة التي يتم تداولها، فإن قرار تصفيتها متّخذ على مستوى منظومة العدوان، وإن الحديث التركي عن عدم المعرفة بالضربة الأميركية لا يمكن تصديقه إلا في إطار تفخيخ الصراع بين الحليفين، وبالتحديد بعد أن بات من شبه المحسوم الحرج التركي من العلاقة القائمة والمتاعب الناتجة عنها في تحميل أنقرة تبعات بقاء النصرة، وإن تغيير التسميات لم يعد ينفع، وفقد صلاحيته السياسية والإعلامية.
وهو ما يضيف إلى القرائن المتداولة عن التنسيق التركي الأميركي شبهة التفهم التركي، وربما التورط في تسريب المعلومات الاستخباراتية المطلوبة، لأن التركي لديه بنك المعلومات المتحرك في منطقة سيطرة التنظيمات الإرهابية، بما فيها النصرة، ومواقيت اللقاءات وأمكنتها والحاضرون فيها، وصولاً إلى جدول الأعمال، وليس انتهاءً بالمقررات المعدّة استخباراتياً بشكل مسبق من الأميركي والتركي.
وغير المعلن أنّ التحرك الأميركي لم يكن مدفوعاً فقط بأنّ صلاحية النصرة قد انتهت، وإنما يعود بالأساس إلى الخشية من افتضاح أمر التنسيق مع الأميركي، بعد الإدراك بأنّ الخناق الذي يضيق حول عنق النصرة يقود باتجاهين لا ثالث لهما، إما سينتهي بهم المآل للقتل أو الأسر على أيدي الجيش العربي السوري وحلفائه، وإما الهروب نحو مناطق وأمكنة لا مصلحة لأميركا فيها، وربما تخشى من فقدان السيطرة والتحكم، خصوصاً حين يصبح التركي بين فكي الكماشة المحكمة سياسياً وميدانياً.
وبين المعلن والمخفي أنّ الحماس الأميركي لمحاربة النصرة والتهويل في استهدافه في هذا التوقيت ليس من فراغ، ولا هو عفو الدور والوظيفة والمهمة الموكلة، في الوقت الذي كان تنظيم النصرة وغيره من التنظيمات الإرهابية يصول ويجول على مرأى من أعينه وبين ظهرانيه، ولم يحرك ساكناً، بل فرض على أدواته في المنطقة تمويل وتسليح وحتى رعاية تلك التنظيمات، ولا يستطيع أحد أن يجادل في هذه المسألة بحكم القرائن المتعددة وعلى رؤوس الأشهاد.
تفاهم الأميركي مع التركي ليس موضع نقاش أو جدل، بل هو في سياق الدور المنصوص عليه في التحالفات التي نشأت داخل منظومة العدوان، وحتى في قلب الأدوار المرسومة، وما جرى كان مسرحية هزلية بإخراج رديء، لكنه يرسم معالم مرحلة جديدة بقواعد اشتباك تختلف عن سابقاتها، في محاولة إعادة الاصطفاف الإقليمي والدولي والإقرار بضرورة إغلاق ملف النصرة أو سحبه من التداول، أو في الحدّ الأدنى اللعب على تخوم ما تبقى من وقت للتعايش مع واقع ما حققه الجيش العربي السوري في إدلب، ولو على مضض، وإن كان اعترافاً وتسليماً، يحاول الأميركي والتركي الهروب من مصيدته.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الافتتاحية بقلم رئيس التحرير: علي قاسم
التاريخ: الاثنين 2-9-2019
الرقم: 17063