سعيد حورانية: الصدق هو ماهية الإنسان

ثورة اون لاين  :

«القصة القصيرة» بمفهومها المعاصر, عمل فني متكامل, كالجوهرة الصقيلة, خرجت من آليات الذهن كاشراقة المخترع, كاشراقة الصوفي كما لو انها شجرة عجيبة نبتت من تراب العقل البشري بوعي عميق الجذور في مفاهيم الكيان البشري... على هذا الأساس
نستطيع ان نتداول القصص القصيرة الفنية على انها جواهر في سوق الانفس الإنسانية، وأنك لاتستطيع ان تضيف الى الجوهرة سلسلة ذهبية دون ان تفسد طهارتها لاتستطيع ان تنحت منها قطعة دون ان تخربها، ولذا فالقصص القصيرة لايمكن ان تكون مسرحية, ولاسينما لايمكن ان ترسم في لوحة فالكلمة هي غير الصورة، هنالك طريقة واحدة لتصوير القصة القصيرة وهي ان تدخل مجموعة الات دقيقة داخل العقل, عقل القاص وتصويرها هنالك, اننا لانستطيع ان نتناول من العمل الفني الا سطحه فقط اما داخل الجوهرة؟ مهما كانت شفافة؟ فهي بناء سري، فالقصة الفنية القصيرة» سر فني» في كل دقائق مفهوميها الزماني والمكاني.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏
فاتح: هل تحب ان تمشي في الوحل؟‏‏
سعيد: احب ان امشي به دون ان اوسخ حذائي, وبمعنى مايجب كما في المسجد ان نخلع احذيتنا خارج باب الحياة, ونترك الوحل خارجا.‏‏
فاتح: إني متفق معك بشأن الوحل الرمزي, وحل الحياة, لكن ارجو ان تحدثني عن الوحل الحقيقي الذي عانيته عندما كتبت قصتك محطة 47؟‏‏
سعيد: لقد كانت هذه القصة تجربة من أكثر التجارب التي هزتني في مطلع شبابي لاشيء سوى عري الطبيعة اللانهائي والا الظلام, والا الوحل.‏‏
اكتسب الوحل هناك عندي معنى رمزيا, كنت اجاهد لانتزع أقدامي من الطين ولم تسندني هناك سوى حرارة يد بشرية.‏‏
فاتح: هل تذكر وجوه أبطال قصتك المحطة 47؟‏‏
سعيد: كأني أراهم الان وخاصة ذلك البدوي الدليل والاقطاعي الشرس وتلك الغجرية التي تنوس جديلتها من وراء زجاج مغبش ولكن الشخصية الأكثر حياة في نظري الان هي ذاك الفلاح العجوز وثقب الرصاصة لايزال يحفر جمجمته.‏‏
فاتح: بماذا تشعر الان وابطال قصتك هذه التي كتبها انت منذ تسعة عشر عاما, وهم حولك الان حي وميت؟‏‏
سعيد: اشعر بقليل من الألم في معدتي لانني اظن انني خنتهم.‏‏
فاتح: حقا انه شعور جسدي كما تقول؟‏‏
سعيد: تماما.‏‏
فاتح: لعلك عانيت نفس الألم وأنت تكتب هذه القصة؟‏‏
سعيد: بالضبط.‏‏
فاتح: هل تعرف كل سورية,اعني جغرافيا؟‏‏
سعيد : تقريبا هنالك مناطق عشت فيها بحدة اكثر واثرت في, كجبل العرب والجزيرة.‏‏
فاتح: عندما تكتب قصة قصيرة كيف تعيش قبل أسبوع من كتابتها وكيف تعيش خلال كتابتك لها؟‏‏
سعيد: اتعرف؟ ان بعض قصصي كانت تفرض نفسها علي كالصدمة دون تمهيد, دون فكرة مسبقة، كانت تقفز وتملأ كياني كله تستبعدني، تقودني، كانت هي السيد وكنت أحاول ان اتابع هذه الدوامة من الجنون متمسكا بكل قواي بهذا الخيط من الوضوح الذي يجعلني عبداً ذكيا, صحيح أنها نمت كالاعشاب البحرية في المناطق المظلمة من نفسي, ثم ظهرت الى الشمس في جذر رهيب، انها اكثر قصصي قربا الى نفسي..‏‏
وهناك قصص, خططت لها طويلا إنني افقد وانا اكتبها ذلك الحس بالدهشة واحس انني سيد مااكتب انها ليست بنتي البكر.‏‏
فاتح: الرعب الاجتماعي الموجود في قصصك هل هو وليد تجربة طفولتك, أم أنه إحساس بالعدالة، اعني توخي العدالة في المجتمع؟‏‏
سعيد: الحبل السري الذي ربطني بالظلم منذ طفولتي, هو مرض امي، قد كانت من هذه الكائنات التي تتألم في صمت وتعتقد في أن الألم هو قدرها, لقد ظلت سبع سنوات تكافح السل الرئوي وكانت هذه التي كدحت لنا- لثلاثة عشر ولدا- مهملة اهمالا لا إنسانيا.‏‏
فاتح: هل هي الصندوق النحاسي؟‏‏
سعيد: نعم انها هيكل هذه القصة، وكرهي للظلم الذي عانيته في طفولتي ولامعقولية النظام العائلي المبني على أسس واهية ملأ قلبي بغضب على كل من يغتال البراءة في هذا الكون وانتقل مني هذا الشعور الخاص الى الألم الانساني الأكبر الى عالم المسحوقين.‏‏
فاتح: لقد كتبت كثيرا عن انسان الريف السوري في المناطق النائية وصورت ابطالك يخوضون في الوحل طوال حياتهم الى ان ينتهي امرهم برصاصة او ضحكة ظالم, قل لي: هل الظلم عندك صورة ام كلمة؟‏‏
سعيد: صورة, وحالة تطلقان الكلمة الغاضبة.‏‏
فاتح: هل الغضب هذا حالة نفسية ام انعكاس حالة جسدية؟‏‏
سعيد: انه حالة انتماء فكري واستعداد للفعل.‏‏
فاتح: اذن والحالة هذه فالغضب هو حزن جسدي أيضا.‏‏
سعيد: صحيح فالعواطف الرخوة هي كالاعشاب المائية التي تتماوج في قعر الساقية.‏‏
فاتح: الكاتب العظيم هو متصوف عقائدي هكذا بدا لنا الامر منذ فجر التفتح العقلي لدى الإنسان, واني شعرت من قراءتي لقصصك انك تعاني ما تكتب، نفسا وجسدا, قل لي كيف تستطيع ان تقاوم؟‏‏
سعيد: وهل استطيع ان لا اقاوم هل هناك طريق اخر للخلاص؟ ليست المقاومة هنا انتماء فكريا فحسب وانما الانسان نفسه.‏‏
فاتح: الانسان, وحس المشاركة بالالم عندك في قصصك تبلغ اوجها قل لي ياسعيد كيف يستطيع المرء ان يعيش طويلا في خضم هذه المعاناة الدائمة؟‏‏
سعيد: ليس المهم طول الحياة او قصرها ان الحياة الحقيقية هي في هذا التوتر الماساوي والبهيج وماعدا ذلك فزمن سائب.‏‏
فاتح: حدثني عن ذلك الراعي الذي قتلوه بين اغنامه، عفوا ليس كما جاء في قصتك.‏‏
سعيد: انه مسيح صغير لكنه مقاوم لاانسى ابدا تلك النظرة المشتعلة بالغضب وهو يهز جدائله الملمعة وقد لجأ الى اغنامه التي لا حول لها فكأنه يستمد منها القوة, لقد شعر وهو بين الحملان الوديعة بأنه أقوى من السلطة، وعندما ارتمى بينها كانت أنفاسها ذات الانفاس التي دفأت المسيح العاري ليلة مولده.‏‏
فاتح: هل عشت في تلك المنطقة؟‏‏
سعيد: كان ذلك عام 1954 وما تلا ذلك من أعوام عندما كانت الجزيرة تعيد تشكيل ابجديتها بين حياة البداوة وحياة الذي يكتشف ان الأرض لاتطعمه فقط وانما هي جزء من كيانه.‏‏
فاتح: ان قصصك الهادفة تعيش في سائل حي من الاحداث العادية القاهرة, هل تحسب ان طواعية العمل الفني في قصصك هي مادة تجريبية فقط أم كلها مستمدة من سمو الهدف؟ الاتخشى المثل؟‏‏
سعيد: أخشى المثل كالجحيم ذلك انها مضادة للحياة المثال حالة عظيمة لكنها عظمة جامدة، والتجريد بالمعنى او بمعنى الايصال, هدف نبيل انه يسير مع الحياة، إن سمو الهدف يضيء ولكنه لايفعل الا اذا كانت المادة الحياتية أقوى من اي فكرة أخرى.‏‏
إن الحياة في جدليتها والصراع الضاري فيها هي التي تفتنني، وان الهدف يدفع ومهمته فقط أن يدفع لا أن يبرر أن يتدخل ليقضي على عنف النسخ في انفجاراته.‏‏
فاتح: هل تريد ان تقول ان القاص فنان وليس بمصلح اجتماعي؟‏‏
سعيد: الفنان طليعة, والطليعة تحمل من الكشف للعالم وتحور وتبدل العالم بطريقة تستهدف النبل الإنساني وهو مايسعى اليه المصلح الاجتماعي ولكن بطريقة أخرى، وأرجو أن تغير المصلح الاجتماعي, بالثائر الاجتماعي لأن الإصلاح هو ترقيع والتغيير هو ثورة.‏‏
فاتح: في غربتك الطويلة عن الوطن ما رأيك بالقصة القصيرة المعاصرة في العالم؟‏‏
سعيد: في النماذج التي قرأتها هي ليست كثيرة ولكنها في نفس الوقت ليست متواضعة، استوقفتني ظاهرة «صلابة العالم» مأساوية الواقع، إن هذا الواقع المأساوي قد مد لسانه ساخراً من كل الأوهام الفردية في تغيير العالم! إن الاصطدام كان عنيفاً ، والكاتب الحديث أخذ يعيد النظر في لعبته الأثيرة. ماتت الابتسامة على شفتيه لا وقت للعب، الرعب أكبر منا، لا خلاص من هذا الواقع إلا بتحطيمه،والتحطيم أكبر من ان نعتبر أنفسنا محور العالم، وإن نكثف العالم ونقزمه في نفوسنا مهما كنا عظماء . إن هذا الانتقام التاريخي يتطلب منا أكثر من العواطف الرخوة وأكثر من المثل المترجرجة يطلب منا باختصار أن تكون قامتنا أطول، وعضلات سواعدنا أشد، وبصرنا ذا أشعة تخترق الأبعاد وليس هذا معناه تصغير الإنسان وإنما عودة صحية للاندماج التاريخي بين ذاتية الفنان وحركة العالم.‏‏
فاتح: أنت في قصصك مع الانسان البسيط الذي هو من التراب النظيف, انت معه في وجهه المتسائل, قل لي ماهو القاسم المشترك بيني وبينك.. أنا كرسام وأنت كقاص، اعني في سؤالي ماذا تجد أكثر من ذلك في نموذج الإنسان العادي وخاصة الفلاح العربي السوري؟‏‏
سعيد: البراءة يافاتح أنني أحسدك إنني اتأمل لوحة لك وخاصة في تلك الفترة التي فتنت بها للريف وللفلاحين وانظر الى الوجه الرمز, الفاقد الملامح ولكن المعبر جدا الذي رسمته أعتقد أن فلاحنا الذي رسمته هو كل الفلاحين وهو نفسه فقط، إنه يحمل قوة عظمى غامضة واضحة وخطرة لأعدائها وكنت أتمنى لو أنني أنا الرسام وأحسدك مرتين لأنك كتبت قصة وكنت في مستوى رسوماتك إن لم تفقها أحيانا.‏‏
فاتح: عفوا أني لا أستحق ذلك, ان الكلمة دوما هي السيد العقلي الذي لا يني يولد ويولد الكثير, إلا أنني أتمنى اليوم ان تقول لي: الشام وبيتكم العتيق الكبير وهذه التلال الجميلة الحزينة وذلك الفرح السري في الحارات المتدينة, كل هذا العالم القديم القديم اراه حيا في عينيك وابتسامتك الطفولية لماذا لم أجدها في قصصك؟‏‏
سعيد: فاتح لاتقتلني، احب كثيرا ان أرى هذا الجو الرائع الذي وصفته هل انت سائح أخيرا، لقد حدثتك عن امي، لعل ذلك الرعب قد قتل في نفسي حب استطلاع رائع لعالم جميل كجمال التماثيل الباردة. ولكنه في قساوتها لم استطع التعاطف مع ناس الحارات ليس لانه ينقصهم ذلك السر الجمالي والسحري وانما لأنهم كانوا شهوداً لا مبالين على مأساة دمرت طفولتي، لاشك إنني احسدك ولكني كما قال لوكيد يديس «لااغبطك على براءتك»لقد كرهت الجو رغم اني مغمور فيه حتى الاعماق لعله نوع من الهروب من حلم لعين, كان يؤرقني طول حياتي ولكني اعترف لك انني أحببت هذه الحارات فكريا وكرهتها حتى الأعماق غريزيا. هل تستطيع يافاتح ان تقول لي هل الايمان الفكري في بعض الأحيان اهم من الإحساس الفطري إحساس الخطيئة.‏‏
فاتح: ان مشكلة فهم العالم قد حلها امثالك من خلال تكوير المعرفة ومن جمال الامر انك رفضت ان تكون قاضيا او متهما مؤطراً. الا انني اسعى لمعرفة الالة الفاعلة في ذاتك هل هي مستمدة من دم انسان أم من دم ابيض هو دم الكتب, وقد خلصت من حديثي معك الى انك: الام الحزينة الغاضبة وقد ازاحت جانبا ديالكتيك جميع المبررات والان قل لي هل انت طاهر وأمين لبنية القصة الفنية التي تسعى اليها أم إن الألم هو البنية كلها؟‏‏
سعيد: لاتستهل الألم. دم الكتب بالنسبة الى دم الانسان في المستشفى .. هل تعتقد ان سعيد يستطيع ذلك؟.. هذا الدم الذي هو دم تاريخي ويمكن ان يعيد الحياة إلى عروق متجمدة والتي تحس بها انك تعيش بدم مستعار ولكن هذا الدم- اعذرني- هل يمكن كما تقول ان يجعلني طاهرا وامينا لبنية القصة التي اسعى اليها؟‏‏
لنتحدث بقساوة عن هذه الطهارة التي تحب ان تنسبني اليها او الألم الذي باسمائه المباركة- يبرر كل شيء- بقساوة مازوشية أقول لك يافاتح: لست انا المنتظر وانما أنا الذي انتظر.. لن أكون مازوشياً إذا قلت لك لأن النقاد يقدرونني فوق ما انا.. موقف لا أستطيع أن اتحمله.. ذلك لأن الصدق هنا هو ماهية الإنسان لقد أعطيت أكثر مما أستحق لأنني أنا، ولكن لأنني كنت رمزاً لكسل الآخرين.. وعندما أقول لك إنني أخجل من نفسي لأن الكسل هدهدني فكرياً وهدهد الآخرين فمعنى ذلك يافاتح أنني لست ذلك الإنسان الذي يقام له نصب تذكاري وإنما أريد وبعنف رهيب أن أقول إذا قبلت بأن أكون تمثالاً لواقع تاريخي فمعنى ذلك أنني مت.. مت . مت.. وبما من حب الحياة ما يحملني لأن أرفض- حتى الانتحار- هذا الموقف الاحتفالي التافه والذي هو أفخم من أي تابوت من خشب الزان والذي يريده الكثيرون لأن يكفنوني به في احتفال صحي وبهيج.‏‏
فاتح: فهمت من جملة ما قلت لي: إن النكبة الضخمة التي تمرغ الإنسان المعاصر بوحل القباحة وتجعل عقله سخرية أمام محراب الوجدان والعدالة وما جاء في إنتاجك الأدبي – خلال الفترة السابقة- تركني أفهم أن المهادنة والكسل أمام تيارات الشر لا يمكن أن يعطي إلا تماثيل ميتة سلفاً وهي رموز مسكينة، هل لك ان تحدثني عن اللحظة التي اكتشفت بها نفسك؟ وهل أنت مدان امام ذاتك أم انت حقاً سعيد؟‏‏
سعيد: دعني أذكرك ببيتين قالهما جلجامش (الذي رأى كل شيء) قالهما لصديقه انكيدو المشعر الذي باع طفولته ليلحق بالإنسان:‏‏
«كل ما هو شرير نزيحه من العالم «‏‏
« ياصديقي من يسقط في المعركة هو الخالد»‏‏
وبالابيات الثلاثة التي هي أعظم مما هو إنساني «نحن الذين بغضبنا انتصرنا على الثور السماوي فلم تستطع الآلهة تحقيق رغبتها .‏‏
ورغبتنا فقط هي التي تحققت»‏‏
إنني قاس أمام نفسي ولأشعر قول أندريه جيد:‏‏
إن ما يبدو بعد قليل إنه الأقدم، هو الذي بدا في أول الأمر أنه الأحدث .. كل مجاملة .. كل مودة.. هي وعد بشيخوخة..‏‏
هل هذه بطولة زائفة ؟ ليكن ذلك.. ولكن الأنكى والأفظع ان يخفق قلبي بدافع التعاطف، وألا أعيش فقط إلا بالغير .. بالوكالة وألا أشعر أنني أحيا بشكل أكثر حدة، إلا حين أنعتق من نفسي لأصبح أي إنسان آخر..‏‏
العدد «3» تاريخ 25/3/1976‏‏