ما قل ودل الذكاء 1

ما قل ودل الذكاء 1


د. فاخر عاقل

كان من حسن حظي أن درست الذكاء في جامعة لندن على يد الاستاذ (سور سيريل بورت) وهو يعد من مشاهير العالم في دراسة الذكاء.

لقد أوفدت إلى جامعة لندن لتحضير شهادة (الدكتوراه) في علم النفس في أيلول عام 1946 فكان لذلك قصة تستحق الرواية, ذلك بأن المرحوم العلامة (ساطع الحصري) كان قد أنشأ في الجامعة السورية (كما كانت جامعة دمشق تسمى حينئذ) كلية آداب وكلية علوم ودار معلمين عليا لتقدم للبلاد حاجتها من المعلمين الثانويين.‏

وقد اشترط علي أن أنتمي إلى جامعة لندن لا إلى الجامعات الأميركية كما كنت أرغب, طلبت مقابلة (السور سيريل) فعينت لي سكرتيرته موعداً وذهبت إليه وقلت إني أرغب في تحضير (الدكتوراه) فسألني ماذا أحمل من الشهادات ومن أية جامعات? قلت إني أحمل (البكالوريوس) و (الماجستير) في التربية وعلم النفس وذلك من الجامعة الأميركية في بيروت وهي تعتبر من جامعات ولاية نيويورك, قال هذا لايكفي لتحضير (الدكتوراه) في جامعة لندن, أنا لا أثق بالجامعات الأميركية وصرفني لكن الحصري رحمه الله أصر علي أن أحمل شهادة (الدكتوراه) من جامعة لندن.‏

ذهبت إلى جامعة (أكسفورد) وقابلت رئيس قسم علم النفس فيها, قال من علمك علم النفس في الجامعة الأميركية قلت (ض ود) قال إني أقبلك ومتى شئت سجل, لكن الحصري أصر على جامعة لندن فذهبت إلى باريس فقبلوني لكن الحصري أصر على جامعة لندن فطلبت مقابلة (بورت) قلت إن حكومتي تصر على أن أحضر شهادة الدكتوراه عندكم, قال إني لا أقبلك قلت عندي اقتراح: أجرى لي فحصاً , قال إنك رسبت, قلت هذا ما أريده لأنه حينئذ سيحولني إلى أميركا قال لا بأس عليك أن تجري عشر تجارب في علم النفس قياسية وأن تجري أيضاً مقالين في علم النفس جديرين بالنشر في مجلة علم النفس البريطانية ومعك مهلة منذ الآن (تشرين الأول) حتى عيد الميلاد, وظاهر من هذا أن الاستاذ (بورت) يفرض علي شروطاً تعجيزية ولكن قبلت ما طلب على مضض.‏

ذهبت إلى بيتي وباشرت بتحضير ما طلب وقدمت التجارب والمقالات قبل عيد الميلاد فقال (بورت) لي سأعطيك الحكم في مطلع عام ,1947 وفي الوقت المحدد ذهبت إليه فتقابلت معه في الممشى فبادرني بالقول: إنك غشاش قلت ولم ? قال لقد نجحت قلت ياسيدي لقد قلت لك إني سأنجح ولم تصدقني, قال ما عليك إنك تستطيع التحضير للدكتوراه في قسمنا ولكن تحت شرطين: أولهما أن تعمل على الموضوع الذي أعنيه لك وثانياً عليك أن تعمل مع الاستاذ الذي أعينه لك, قلت موافق قال إنك ستعمل مع الاستاذ (فلبورت) فتركته وذهبت إلى غرفة الاستاذ (فلبورت) فإذا بي أرى شخصاً يخالف (بورت) تماماً فهو رضي, مساعد, بشوش, رحب بي وقال إن لي نظرية عليك أن تثبت صحتها وبابي مفتوح لك دوماً وهذه كتب عليك أن تقرأها قبل أن تبدأ بالعمل ففعلت كما قال وأتممت رسالتي مع (فلبورت) في سنتين وتقدمت بعدهما إلى الامتحان, والامتحان في انكلترا يجري في غرفة مغلقة فيها رئيس القسم (بورت) والاستاذ المشرف على الرسالة (فلبورت) واستاذ ثالث من جامعة أخرى ولما انتهت المناقشة التفت إلي بورت وقال: أيها الشاب إذا نجحت ونلت الدكتوراه من جامعة لندن فهي تشرفك فتفضل وشرفها, قلت سأفعل وتركت الغرفة للاساتذة وبعد فترة خرج (فلبورت) فركضت إليه وسألته عن النتيجة فقال لي: لقد رأيت أبشع منك فتألمت مع أن رفاقي ركضوا يهنئونني, قلت لقد رأى أقبح مني فقال لي زميل عراقي: هذه مزحة انكليزية لقد نجحت فتركت رفاقي وذهبت مع زوجتي إلى محطة القطار الأرضي ودهشت لما رأيت الاستاذ (فلبورت) يقول لي: يا بني إني لا أستطيع أن أقول لك نجحت أو سقطت مالم يوافق على ذلك مجلس الجامعة, قلت إني يجب أن أسافر قال: بأمان الله وستصلك رسالة الجامعة ولا تخف وبالفعل لقد سافرت إلى دمشق ووصلتني شهادة الدكتوراه بنجاحي وتهنئتي.