من ذاكرة جريدة الثورة فــي ضيافــــة ســــــــليمان العيــــــــــسى.. أنـــــا خليــــة فـــي جســــــد عــــــربـــي.. تبحــــث عـــــن مـــلايــــين الخـــلايــــا..

ثورة أون لاين:

ثقافة

الخميس 18-2-2010م
ديب علي حسن- مانيا معروف- فاديا مصارع
يعبرون الزمن مرة واحدة ولكنهم يبقون إلى الأبد يعبرون صفحاته، يولدون جسداً مرة واحدة، ويفنى الجسد مرة واحدة أيضاً، ويرحلون ولكن الذي يبقى للأبد أثمن وأغلى وأسمى ،يبقى الإبداع
، فالذي قال إن الزمن كماء النهر لا يمكن أن نستحم به مرتين بالتأكيد كان يقصد الجسد، وإلا ما معنى الزمن لولا وجودنا، وربما كان شاعرنا الكبير بدوي الجبل على حق حين قال (وسيشكو الخلود المر أبقانا)‏‏

‏‏
وهو مخالف بذلك لجده الشاعر الجاهلي الذي صرخ ذات مرة: ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر..‏‏‏
سليمان العيسى يعبر الزمن ولا يزال حياً يرزق، سندبادنا الذي طاف بنا ونحن أطفال بساتين ورياض الأدب كافة حملنا على جناح كلمة إلى كل قطعة من أرض الوطن من الماء إلى الماء، ومن الحكاية إلى الحكاية، شاعر الأمل والألم، رافقنا في حلنا وترحالنا، في غفواتنا وصحواتنا.. سندباد الكلمة وصاحب بساط الريح السحري في هذا العصر هو أيضاً تنقل بين أرجاء الوطن الواحد لم يعترف بالحدود الزائفة المصطنعة، وأنّى للخلية أن تنفصل عن أخواتها.‏‏‏
سليمان العيسى شاعر سيبقى يعبر الزمن، ويبقى بستاناً أخضر نديّاً، ثماره تقطف وتهدى، تسحر الألباب على غير الثمار الأخرى كلما ازدادت نضجاً ازدادت ألقاً وبهاء، لا تذبل ولا تسقط، حافظاتها القلوب والصدور... اليوم يدلج نقياً، شفافاً، صريحاً، كحد السيف ربما، عامه التسعين.. وكأنه الطفل الذي غادر بالأمس مرابع لم تغيره نوائب الزمن وعواديه، لم تغتل براءة الطفل ولم تسلب عزيمة الإرادة، لم يكل ولم يمل، حمل حلمه على ظهره، على ريشته وخضب بألوان الكلمة وعطرها حياتنا.. تسعون عاماً ربما بدأت وربما تنتظر شهوراً والشاعر في معترك الحياة لنا وله في معترك الإبداع يثري حياتنا، يرفدنا بالشعر، بالنثر، بالهمسة، ذات يوم أصدر ديواناً تحت عنوان (همسات ريشة) متعبة، فقلت له: يا أستاذي هي همسات ريشة مبدعة.. ويضحك شاعرنا، وبعد هذه الهمسات جاءت مجموعات أخرى يكتب على البياض متكئاً على ركبته ليزيد البياض ألقاً ولتأخذ الكلمة من ركبته قوة وعنفواناً .‏‏‏

‏‏
سليمان العيسى أمد الله بعمرك وأعطاك الصحة والعافية، ها نحن متجهون إليك.. فهل تأذن وأنت الكرم على الدرب أن نتفيأ بظلالك وما أورفها وأوسعها وأنقى هواءها!!‏‏‏
هل تسمح أن نشاركك لحظات السعادة وأنت تنظر إلى أشجار حديقة المنزل وتقول هذه أسميتها: السهم الأخضر وتلك.. وعذراً من أستاذتي الدكتورة ملكة أبيض حين نقتحم عليها ساعات العمل المقسم بين الإبداع والاهتمام بشاعرنا الكبير..‏‏‏
في الدوح...‏‏‏
شدتني إلى شاعرنا منذ سنوات علاقة محبة كانت بعد لقائي معه لإجراء حوار نشر في صحيفة الثورة، وبعدها كان شاعرنا يزين صفحاتنا بشيء مما يبدعه وينشر بخطه الرائع الجميل.. زرته كثيراً وتحدثت إليه وفاض عليّ بالكثير، أعطاني من وقته وكذلك فعلت أستاذتي د. ملكة أبيض، وزودني بكل جديد يصدره، أهاتفه سائلاً عن أحواله وصحته فيرد بعبارته التي دونها على الصفحة الأولى من كتبه التي أهداني إياها! أهلاً بالغائب الحاضر إذ كنت أعده بالزيارة أحياناً وأخلف الميعاد لأسباب لا تشكل عذراً، ومع ذلك فشاعرنا الكبير لا يلوم ولا يعاتب وتأتي عبارته: الغائب الحاضر..‏‏‏
أما أستاذتنا الكبيرة د. ملكة أبيض فهي النصف الآخر، النصف الذي يقول عنه الشاعر الكبير: إليها يعود نصف إنتاجي الإبداعي فهي ليست أكاديمية وباحثة فحسب بل ربان سفينة لم تسمح لأي أنواء وأمواج أن تقترب من المركب، بنجاح واقتدار وإنسانية ليس لها حدود تتابع عملها على الصعيدين الإبداعي والإنساني ومع ظروف شاعرنا وأوضاعه الصحية التي ليست على ما يرام من حيث الحركة كان اقتراح السيد رئيس تحرير الثورة (الأستاذ أسعد عبود) أن نزور الشاعر إن سمحت ظروفه بذلك ونتواصل معه، والتواصل لم ينقطع، وكعادتهما رحب بنا الشاعر وملكته...‏‏

‏‏


وتوجهنا في دائرة الثقافة إلى حيث (دوح الشاعر) في دمر، البناء القائم في منخفض العالي البنيان بشاعرنا، زملاء آثرنا أن نقتحم على الشاعر راحته ونسعد برؤياه، وكان الموعد يوم الثلاثاء 9/2 توجهنا إلى مشروع دمر حيث (دوح الشاعر) وبحدود الحادية عشرة صباحاً كنا نتحلق حول الشاعر الذي اعتذر أكثر من مرة لعدم قدرته على النهوض للترحيب بنا.. ولكنه كان فرحاً بنا، موزعاً ابتسامته ورضاه وحنانه على الجميع، يحدثنا، يرشدنا إلى بعض القضايا والأمور، يغترف من بحر ذاكرته المتقدة ما يناسب الحديث أو القضية المثارة لم يتأفف، لم يتذمر مثل ما يفعل بعض من يظنون أنهم في القمة من الهرم الإبداعي.‏‏‏
تنسكب الكلمات على شفتيه ببراءة الطفل الذي صار في حدائق التسعين وهو لا يزال عند مروج العاصي وشجرة التوت، بقدر عال من المحبة يطلب أن يستريح قليلاً لئلا يتعبه الحديث ولكن ما يكاد يأخذ نفساً حتى يتدفق هادراً، وكأنه يقول: لا أريد أن أقطع حديثي معكم.‏‏‏
نتبادل المواقع بالقرب من الشاعر لالتقاط الصور التذكارية ود. ملكة أبيض تعد القهوة للضيوف القادمين، زميلة تسأل وآخر يسجل، والزميل المصور لم يترك زاوية في المنزل لم يأخذ لها لقطة، أقترح على أستاذتنا د. أبيض أن تفرد لنا بعض كتبه لنأخذ صوراً لأغلفتها وتقول لي: لقد أهديناك نسخاً منها وأتمتم نعم نعم، لكن فوضى مكتبتي تحول دون العثور عليها، الآن ثلاث غرف امتلأت بالمطبوعات وأضيفت إليها السقائف.. ربما.. ولكن قسماً من هذه الكتب على طاولتي لايفارقني مثل: الثمالات والديوان الضاحك، وبالمناسبة فإن شاعرنا الكبير أهدى منذ سنوات مكتبته الشخصية إلى مكتبة الأسد، ومع ذلك عاد البيت ليمتلئ من جديد بالكتب وإن كانت الشابكة قد خفضت الكثير من الورق كما يقول شاعرنا..‏‏‏
تعود أستاذتنا بالقهوة، نوزعها على الزملاء يرتشفون القهوة برفقة شاعرنا الكبير، أمد يدي لأخذ حبة (شوكولا) وهي دائماً منذورة للضيوف على طاولة الشاعر والملكة، وحين أعود إلى الجريدة أتذكر أني لم أحصل على فنجان قهوة، وأتصل بأستاذتي: يا دكتورة لم أحصل على فنجان قهوة.. وترد القهوة وكتاب الشاعر بانتظارك...‏‏‏

‏‏
إبحار في الذاكرة...‏‏‏
يا أستاذنا ماذا لو فتحت لنا بوابة الإبحار في الذاكرة ويضحك الشاعر ما أكثر ما أبحرتم، لقد تحدثت كثيراً عن رحلة الحياة والكفاح، وكتبت وكتبت، ونشر الكثير الكثير، وكان لصحيفتكم دور في العودة إلى هذه الذاكرة ولابأس أن نعود إلى رحلة العمر نقف عند محطات منها، وقد دونتها في كتاب جميل أهديتك نسخة منه وصدر عن دار الحافظ في دمشق حمل عنوان: رحلة كفاح.. الشاعر سليمان العيسى والدكتورة ملكة أبيض.‏‏‏
- نعم يا أستاذي ويقع في 100 صفحة من القطع الكبير وهو عيون أدب السيرة في الأدب العربي.. ولكن لا بأس يا أستاذي أن نسمع دائماً وأبداً ما تريد أن تقوله أو يسمح الوقت بقوله لا نريد أن نثقل كاهلك ولكنّ بوحك لنا كنز لن نفرط به.‏‏‏
نتف من قصة حياتي‏‏‏
أتراني أستطيع أن أتجاوز بدايات الطفولة.. ؟! قرميد بيتنا الأحمر.. رفاق حارتنا الصغار.. قصائد الطفل الأولى عن هموم الفلاحين وبؤسهم في قريته الصغيرة (النعيرية) الضائعة وراء الأسلاك والضباب كغيرها من أرض العرب؟!‏‏‏
أليست قصائد المتنبي التي قاتل بها الروم والتي حفظتها وأنا في التاسعة عن ظهر قلب! ومعلقات الشعر الجاهلي، وروائع أبي فراس الشاعر المقاتل وهو وراء قضبان الأسر في أيدي الأعداء.‏‏‏
وعشرات القصائد العربية التي كانت تضج في رأسي وأنا في العاشرة.. أرددها بل أحياها نبضاً نبضاً كل يوم أليس كتّاب والدي الشيخ أحمد - نضر الله ثراه وعطر ذكراه - الذي كان يعلمنا نحن الأطفال مع تدريبنا على الخط وجودة الكتابة مثل هذا الكلام:‏‏‏
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب‏‏‏
فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب‏‏‏
أليس هذا كله بدايات الطريق...‏‏‏
لابد من الطفولة إذاً.. ،لابد من الجذور والينابيع لابد من قصائد المتنبي وأبي فراس، والشريف الرضي وإبراهيم اليازجي وغيرهم وغيرهم..‏‏‏
لابد من كتّاب الشيخ أحمد ورفاق الضيعة الصغار طلائع العروبة الأولى.‏‏‏
في قريتي المنسية المهملة تلقيت شرارات الثورة رضعتها مع الكلمة العربية الجميلة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب ثم مع بدايات الحركة العربية الجماهيرية التي هزت لواءنا السليب ووصلت إلى حارتنا العربية إلى شجرة التوت إلى (كتّاب) الشيخ أحمد وأطفاله.‏‏‏
جمعت رفاقي الصغار تحت شجرة الجوز الكبيرة هذه المرة في ركن من أركان الحارة، ورحت أقص عليهم أنباء زكي الأرسوزي وحركته الجديدة في المدينة وجماهير الناس الذين التفوا حوله والمنشورات الثورية التي توزع في كل مكان.‏‏‏
تحيا العروبة‏‏‏
كان الأولاد إليّ مشدوهين بسحر القصة واعترف أني كنت أضفي عليها من خيالي كل ما يسعفني به خيال شاعر صغير يدق أبواب المجهول بجناحي عصفور أزغب علمتهم الشعار الجديد الذي سمعوه أول مرة: تحيا العروبة كانت هذه العبارة هي تحية عرب اللواء منذ بدأ الأرسوزي المعركة من أجل عروبة اللواء، ولم يفتني في نهاية اجتماع (شجرة الجوز) أن ألقي على الرفاق الصغار قصيدتي الجديدة!‏‏‏
ياتوتة الدار... يا عصفورها الشادي‏‏‏
ردي علي فتوحاتي وأمجادي‏‏‏
عروبتي في دمي لا تيئسي أبداً‏‏‏
غداً أحطم أغلالي وأصفادي‏‏‏
في المدينة‏‏‏
وأدخل المدرسة الابتدائية الوحيدة التي كانت في مدينة انطاكية ويستقبلني المدير المهيب الطلعة الشيخ صالح الغانم الذي كان واحداً من زارعي التمرد والثورة العربية في اللواء، واحداً من المربين الذين علمونا الانتماء القومي في سن مبكرة ومرحلة مبكرة من حياتنا. نحن أطفال العروبة.. أطفال اللواء .. جيل البدايات.‏‏‏
وما هي إلا فترة وجيزة حتى تلتحم حياتي في مدرسة العفان الابتدائية بحياة الآلاف من أبناء المدينة والريف، الذين كان المعلم الرائد زكي الأرسوزي قد أشعل فيهم أول حركة جماهيرية عربية حين أحسسنا جميعاً صغاراً وكباراً بالمؤامرة في المساء كنا نلتقي في (نادي العروبة) صغاراً وكباراً. طلاباً وعمالاً وفلاحين يغدون من القرى المجاورة لنستمع جميعاً إلى أحاديث المعلم الرائد زكي الأرسوزي كل يوم تقريباً.‏‏‏
إلى حلب‏‏‏
وحين نسأله إلى أين ذهب حين خرج من قريته يجيب قائلاً:‏‏‏
كنا قافلة الغربة والتشرد الأولى أنا ونحو مئة وعشرين فتى من رفاقي من لواء اسكندرون وكانت حماة المدينة العربية الوحيدة التي احتضنت غربتنا وآوت تشردنا.‏‏‏
وبالتفاصيل في صباح يوم من أيام الخريف سنة 1937 والورق الأصفر يفرش شوارع انطاكية المزنرة بالشجر قرر أكثر من مئة وعشرين طالباً وطالبة أكبرهم في السنة الأولى من الجامعة وأصغرهم في المدرسة المتوسطة أن يحملوا هويتهم العربية التي انتزعت منهم فجأة ويفروا بها إلى بقعة أخرى من سورية.‏‏‏
ركبنا سيارتي (باص) واتجهنا من انطاكية إلى حلب والمسافة غير بعيدة بين المدينتين التاريخيتين، لم نحمل معنا شيئاًغير عروبتنا وأجسادنا النحيلة والقليل من الثياب، ولم نكن نملك منها الكثير وعقدنا العزم أن نحتل أول مدرسة ثانوية نصادفها حتى نصل إلى حلب ونستقر فيها على أنها مدرستنا ولابد لها أن تحتضن أطفالها المشردين. كان طالب وهيب الغانم على رأس القافلة وكنا جميعاً نشعر دون أن يخالجنا أدنى ريب أن مدارس سورية العربية كلها ستفتح لنا أبوابها وتأوينا وتؤمن لنا الدراسة كما نريد ولكن الصدمة المفاجأة كانت بانتظارنا على أبواب مدرسة التجهيز هكذا كان اسمها في حلب فما كاد مدير المعارف يسمع بوصولنا حتى أصدر أمره الذي تلقاه من المستشار الفرنسي بالتأكيد بطرد هولاء الطلاب الوافدين وعدم السماح لهم بالوقوف ساعة واحدة أمام باب التجهيز الذي ألقينا رحالنا عنده.‏‏‏
في حماة‏‏‏
ويتابع شاعرنا قائلاً وكأنه يقرأ من صفحة أمامه ولم تتردد قافلة الفتيان المشردين باتخاذ القرار ركبنا سيارتي (الباص) اللتين كانتا تقلنا واتجهنا على الفور إلى مدينة أبي الفداء... إلى حماة ونحن ننشد في حماسة متقدة: نحن الشباب لنا الغد. وما هي إلا ساعتان حتى كنا ندخل حماة ونحتل ساحة مدرستها الثانوية الوحيدة آنذاك والتي أصبح اسمها: ثانوية ابن رشد فيما بعد.‏‏‏
وفي سرعة البرق الخاطف يسري نبأ وصولنا في المدينة وقبل أن تقوم سلطة الانتداب الفرنسي بأي تصرف تجاهنا كانت جماهير المدينة المناضلة تحيط بالثانوية التي نزلنا باحتها، تستقبلنا بالترحيب والهتاف، وتقسم ألا يمسنا أحد بسوء وأن نقيم في المدرسة ذاتها ويكون لنا قسم داخلي فيها وأن نتابع دراستنا كما كنا في اللواء وأن البلد بلدنا، والأهل أهلنا، وليذهب الاستعمار الفرنسي وأذنابه إلى الجحيم وهكذا كان، فما كاد اليوم التالي يمضي حتى كان هناك قسم داخلي في ثانوية حماة الوحيدة لاندري كيف افتتح وأعد كل شيء فيه لتتابع قافلة الفتيان المشردة عامها الدراسي عزيزة مرفوعة الرأس، وفي مقهى الروضة الجميل على حافة نهر العاصي تقيم لنا المدينة حفل استقبال بعد يومين من وصولنا واستقرارنا احتفاء بأطفال العروبة الذين رفضوا الاحتلال واغتصاب الهوية والأرض وألقي أنا شاعر اللواء الصغير قصيدة من أولى قصائد الجمر في ذلك الاحتفال.‏‏‏
في صيف ذلك العام عدنا لرؤية أهلنا في اللواء وعندما حاولنا العودة للدراسة فوجئنا أن كل الأبواب قد أغلقت أمامنا وأن مغادرة اللواء أصبحت ممنوعة رسمياً فما كان علينا إلا أن نغادر فرادى كل على مسؤوليته الخاصة وبنصف ليرة يتسلل وشقيقه إلى اللاذقية يمتطيان شاحنة عتيقة إلى جانب السائق ويصلان إلى اللاذقية عروس المروج وزمردة الشاطئ العربي، وفي ثانوية جول جمال في اللاذقية يقضي الطالب المشرد عاماً ونصف العام ثم لا يلبث أن يلحق برفاقه اللوائيين في دمشق ليتابع دراسته وكفاحه معهم وليسكنوا مع زكي الأرسوزي في بيت واحد.‏‏‏
في دمشق‏‏‏
وماذا عن دمشق..؟‏‏‏
يجيب الشاعر قائلاً: غابة عربية عذراء نبتت على تخوم الوطن في أقصى الشمال من هذا المحيط الهائل من الماء والرمل والشجر والبشر في مدرسة لا تزال تنتصب كالقلعة الصغيرة على كتف بردى اسمها الآن (ثانوية جودت الهاشمي) كان ذلك في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، كنت طالباً في صف (الكفاءة) على وجه التحديد.‏‏‏
ويتابع حديثه قائلاً: كنا حول الاستاذ (الأرسوزي) قبضة من الرفاق في زاوية من زوايا حي (السبكي) بدمشق نتحدى الفقر والبؤس بشعاره الجديد: العرب أمة واحدة، والوطن العربي وطن واحد، وترعرعت الشجرة التي غرسها بيديه واستطالت فروع وعلقت بها فروع وتعددت أغصان ويبس غصن وسقط غصن هناك وبقي الأرسوزي الجذع الكبير الذي يضم الفروع ويجمع الأغصان ويلم الأوراق المتناثرة مهما لعبت بها الرياح، بقي المنارة التي تهدي والطريق التي عليها نسير إذا شاء القدر لهذا الجيل أن يسير.‏‏‏
وكان البعث..‏‏‏
ويضيف الشاعر الكبير قائلاً: في بيت متواضع في حي (السبكي) أقام زكي الأرسوزي مع عدد من تلامذته الشباب بعد اغتصاب اللواء كان يوماً من شتاء عام 1940 م.‏‏‏
في بيتنا الصغير ستة أو سبعة من الطلاب ندرس معاً.. ريح الشتاء تصفر من حولنا ،والبرد يتسلل إلينا من النوافذ لا يرده الزجاج المكسور ولا ألواح الورق التي أحكمنا إلصاقها كان الصمت يخيم على الحجرة الصغيرة على الرؤوس الصغيرة حين دخل علينا أستاذنا الأرسوزي - رحمه الله- تسبقه ابتسامته المشرقة، ومعه أكبر رفاقنا آنذاك : وهيب الغانم.. لا أذكر تاريخ ذلك اليوم، وبادرنا الأستاذ الأرسوزي بقوله: لقد أنشأنا اليوم حزباً عربياً جديداً، لقد أسسنا حزب (البعث العربي) .. رفاقكم في الجامعة سيتصلون بكم ويوزعون عليكم المهمات ، كل منكم بالطبع عضو في هذا الحزب حزب البعث العربي منذ الآن هيئوا أنفسكم واستعدوا للعمل.‏‏‏
وبعد ذلك يخبرنا الأرسوزي أننا قررنا أن ننشئ جريدة تنطق باسم (الحزب) ولتكن أسبوعية مؤقتاً كي لا تأخذ من دراستكم أكثر مما ينبغي وسمينا الجريدة باسم الحزب الجديد (البعث).‏‏‏
ويرسم المهام: وهيب يجمع المقالات وينسقها .. وسليمان يكتبها بخط يده، خطه واضح لغته جميلة .. وصدر العدد الأول من البعث، بعد أسبوع صدر في ست عشرة صفحة من القطع الكبير مكتوبة كلها بخط اليد نسخة واحدة مخطوطة مزينة بالرسوم بريشة الفنان المرحوم أدهم اسماعيل .. طالب البكالوريا يومذاك نسخة واحدة كان عليها أن تطوف على البعثيين وأصدقاء البعثيين جميعاً في الجامعة ، وفي التجهيز بل في كل مكان يمكن أن يصل إليه العدد اليتيم .‏‏‏
وداهم رجال الأمن بيتنا الصغير ضحى يوم من الأيام ونعود من المدرسة لنجد أوراق أستاذنا الأرسوزي وكتبه مبعثرة هنا وهناك، ونسأل بلهفة عن الأستاذ فيخبرنا الجيران أن رجال (التحري) قد قبضوا عليه وقادوه إلى التحقيق وفي اليوم نفسه نعلم أن سلطة الانتداب العسكرية قد أمرت بنفي الأرسوزي إلى اللاذقية وكان عليه أن يقطع الطريق كله سيراً على قدميه برفقة (دركي) على حصان .. في مساء اليوم الثاني كان أول منشور ثوري أصدره حزب (البعث العربي) يوزع في أنحاء دمشق، في شوارعها في حاراتها الضيقة وعدنا إلى بيتنا الصغير لنجد رجال الأمن بانتظارنا ألقوا القبض على أربعة منا وتوارى الباقون .. ويشير الشاعر أن مجموعة الإحياء العربي كانت معاصرة لتأسيس البعث وقد اختلط شباب الحركتين ولم تلبث الحركتان أن اندمجتا بعد ذلك في حزب واحد هو حزب البعث العربي الذي أعلن ميلاده على الملأ في 7/ نيسان 1947 م في مقهى الرشيد الصيفي بدمشق.‏‏‏
سمراء حلب‏‏‏
وماذا عن حلب وسمرائها..؟!‏‏‏
ويجيب الشاعر قائلاً: الشهباء مدينتي التي عشت فيها عشرين عاماً من خريف 1947 إلى ربيع 1967 ،حلب.. الحب، الشعر، التاريخ زهوة العمر، وعنفوان الشباب ، حلب التي أملت عليّ نصف شعري وأعطتني أسرتي: الصغيرة وأولادي الثلاثة وقبل هذا وذاك أعطتني رفيقة العمر، وشريكة الكفاح التي ملأت ولا تزال حياة الشاعر وكانت القصيدة الأولى التي ما أزال عاجزاً عن كتابتها.. دخلت حلب مدرساً للغة والأدب في ثانوياتها في خريف 1947 م لم أكن أحمل معي غير إجازاتي التي حصلت عليها من دار المعلمين العالية في بغداد ودفتر مخطوط يحمل أول مجموعة شعرية لي ،كنت قد بدأت أن أختار قصائدها وأسجلها في دفتري منذ أعوام لم أكن أسجل إلا ما يروقني من قصائدي، وأشهد أني كنت ألقي خلفي الكثير مما أكتب دونما أسف ، ولا ندم.‏‏‏
- فراشة تطير..‏‏‏
وماذا عن الفراشة..؟!‏‏‏
همس صديقي في أذني: هناك أسرة كريمة، قعد ربها عن العمل وفي البيت أربع فتيات يجدن صعوبة في متابعة دراستهن فهل أنت على استعداد لمساعدتهن ببعض الدروس؟ أعرف اندفاعك وإيثارك في مثل هذه الأمور؟!‏‏‏
قلت بلا تردد: سأضع كل ما أستطيع توفيره من وقت في خدمة هذه الأسرة ، وفي صباح اليوم التالي كنت مع صديقي وصديق الأسرة في البيت.. بيت أبي أحمد وأم أحمد الذي سيصبح أقرب بيت إلي في الشهباء .. كانت الفتيات الأربع اللواتي يجمعن بين الجد والمرح والتهذيب الرفيع والحرية المتزنة ينتظرن دروسي كل أسبوع مرتين أو ثلاثاً حسبما يتاح لي من فراغ، وكن يحدثنني من حين إلى آخر عن شقيقة لهن تتابع تحصيلها العالي في الخارج في بلجيكا لقد استطاعت هذه الشقيقة الذكية أن تشق طريقها إلى المستقبل الأرحب وتفوز ببعثة دراسية في جامعة بروكسل وستعود قريباً إلينا.‏‏‏
وجاءت السمراء ذات يوم من أيام الصيف دخلت البيت لأجد الأسرة كلها تحتفي بعودة الشقيقة من بلجيكا ومددت يدي أصافح السمراء النحيلة التي كانت ترتدي ثوباً أزرق امتلأ بالنقط البيض الصغيرة كقطعة من السماء الزرقاء امتلأت بالنجوم وأحسست منذ اللحظة الأولى أني أصافح فراشة تطير لا صبية تتحرك بخفة نسمة ورشاقة عصفور أمامي. ودار بيننا الحديث منقطعاً متشعباً لا يكاد يهدأ حتى يبدأ من جديد .. السمراء النحيلة تريد أن تعرف كل شيء عني وأنا أريد أن أعرف كل شيء عنها.. من يدري ربما كانت الحلم الذي يراود خيالك أيها الشاعر الشاب المتقد حماسة وثورة واندفاعاً إنها لا تقل عنك حماسة واندفاعاً إنها شيء آخر.. يختلف عن كل ما رأيت حتى الآن.‏‏‏
ومنذ ذلك اللقاء.. كنا ننطلق كل مساء في نزهة طويلة نجوب في شوارع المدينة العريقة، نمشي ونتحدث ، نتحدث ونمشي وتملأ الفراشة القادمة من بعيد فراغي كله وتدور الأيام وما تلبث أن تملأ حياتي كلها.‏‏‏
أما الدكتورة ملكة فتضيف قائلة، عدت إلى بروكسل لإكمال السنة الأخيرة بعد أن أعلنا خطبتنا واتفقنا على الزواج لدى عودتي إلى حلب وإن أنس فإني لا أنسى هذه (الدعابة) التي كتبها سليمان ذات يوم لوالدي هي أبيات من الشعر يحييه فيها ، ويسوغ مشاويرنا المسائية في صيف حلب منها:‏‏‏
إني أرى حلب تذوب حرارة‏‏‏
طول النهار وتبعث الأتراحا‏‏‏
كيف السبيل إلى اتقاء لهيبها..؟!‏‏‏
إنا لنرهب وهجه اللفاحا‏‏‏
كدنا نضيق بذاك لولا رحمة‏‏‏
من ربنا تسع الوجود فلاحا‏‏‏
خلق المساء لنا فكان نسيمه‏‏‏
يحكي طباعك رقة وسماحا..‏‏‏
ملامح تجربته الإبداعية‏‏‏
بكل تواضع يقول: إني لم أحلم بلقب شاعر وبكل تواضع يقدم نفسه على أنه حالم ولكن حين تسأله عن أعماله الإبداعية يجيبك قائلاً: الثمالات حقها أن تكون في الصدارة وحين يقدم لي الثمالات بأجزائه الثلاثة يكتب إهداء بخطه الجميل يقول فيه:‏‏‏
إلى العزيز: ديب علي حسن ثمالاتي بأجزائها الثلاثة (الأولى ربما كانت مرحلة جديدة في حياة حالم عربي حاول على امتداد نيف وسبعين عاماً أن يكون شاعراً مع محبتي وتاريخ 16/1/2006.‏‏‏
ويشير أيضاً إلى الديوان الضاحك الذي لم ينل حظه من الدراسة والنقد وإن كان قد انتشر انتشار النار في الهشيم ولكن ماذا يقول أيضاً الشاعر عن تجربته..‏‏‏
ماذا عن سليمان الشاعر؟‏‏‏
لم أطمح في يوم من الأيام أن أحمل هذا اللقب الجميل الكريم وإن كان عمر قصيدتي الأولى التي كتبتها بقلم القصب تحت شجرة التوت في قريتي الصغيرة قد تجاوز السبعين من الأعوام الثقال الخفاف الحلوة المرة.‏‏‏
ولا تزال القصيدة الأولى تتشبث بحقها في الحياة وتحمل الحلم العذب الضخم تقاتل من أجل حصتها بحبة القمح وضوء الشمس غريبة مطاردة في أرض القمح والشمس أرض الآباء والأجداد.‏‏‏
لست شاعراً:‏‏‏
أرض الآباء والأجداد أم الشعر وخالقة الشعراء تريدني شيئاً آخر.‏‏‏
تريدني حلماً أصلب من الحقيقة وأكبر من الواقع وأبعد من حدود الجثة التي تتحرك بين المحيط والخليج تريدني عربياً يبحث عن هويته.‏‏‏
عن جوهر وجوده‏‏‏
عن جذوره العميقة العميقة في أرضه‏‏‏
يبحث عن أمته‏‏‏
نعم عن أمته العربية‏‏‏
وتجيء كارثة حزيران 1967 التي قلت فيها:‏‏‏
الكارثة تغل روحه‏‏‏
تسد عليه المنافذ‏‏‏
تذبح في عينيه النور تدفنه حياً‏‏‏
طوال عام كامل لم يستطع أن يقول بيتاً‏‏‏
أن يكتب كلمة‏‏‏
طوال عام كامل كان يتنفس الذلّ‏‏‏
يختنق بالعار‏‏‏
ومن يختنق فإنه لا يستطيع أن يكتب‏‏‏
تلك كانت بداية انهيار الحلم‏‏‏
وتلتها الخيبات‏‏‏
واحدة إثر أخرى‏‏‏
وأحمل أحلامي الموءودة التي لا تزال تصهل بين يدي‏‏‏
غير عابئ بأصابعي المحترقة‏‏‏
التي لا تزال النار تشتعل فيها‏‏‏
أحملها مخضوبة بدمي‏‏‏
الذي يراق كل يوم كل ساعة‏‏‏
بين بغداد وغزة والموصل وجنين‏‏‏
أحمل جراحي كلها وأنهض‏‏‏
شبحاً من شاعر كان يغني‏‏‏
ذات يوم لهباً كان يغني‏‏‏
ثم مات..‏‏‏
ألف مرة..‏‏‏
في طريق «الجلجلة»‏‏‏
ألف مرة‏‏‏
وأبت إلا رواء الاخضرار السنبلة‏‏‏
وأبى هذا الجنون -الشعر‏‏‏
حتى هذه اللحظة إلا أن يغني‏‏‏
لقد تفجر صوتي أيام الطفولة والشباب بالعاصفات مع مد الثورة والتحرر وحين بدأ المد بالانحسار لذت بالصمت حيناً ثم تعلمت أن أفتح نوافذ للأمل بعد كل خيبة.‏‏‏
وأبدأ من جديد مرة بعد مرة.‏‏‏
ومع كل بداية كانت النبرة تخفت والحكمة تحل محل الجنون ما يهمني في هذا التغيير أن تكون البداية ذات معنى:‏‏‏
الثلاثون.. الثمانون‏‏‏
بدايات بواكر‏‏‏
كلها إن شئت أن تحيا‏‏‏
بدايات بواكر‏‏‏
إنه نهر الحياة‏‏‏
ألق في التيار هذا الظمأ الحلو‏‏‏
أو المر وسافر‏‏‏
سيطر الهم القومي على كتاباتي سيطرة شبه كاملة في البداية ولكن ظروف الحياة أيقظت في مشاعر عميقة إزاء أشياء صغيرة لم أعرها في الماضي الاهتمام الذي تستحقه، فلماذا لا أغنيها الآن؟‏‏‏
القصيدة تكون في اللون وفي الغناء‏‏‏
في سكرة القبلة‏‏‏
في غدائر امرأة‏‏‏
في وقفة الشموخ والإباء‏‏‏
وفي جنون الحب..‏‏‏
في هدأة المساء‏‏‏
في نيران مدفأة‏‏‏
في نقرة على ضلوع العود‏‏‏
في غيمة ترحل لا تعود‏‏‏
إن ديوان «الثمالات» الذي نشر في صنعاء حافل بهذه الاهتمامات الصغيرة العميقة بل إنه يحمل القصيدة مهمة أبعد وأعمق: مهمة غسل الأحزان وتطهير النفس والسمو بها عن الصراعات والسفاسف:‏‏‏
إنني أغسل نفسي بقصيدة‏‏‏
أترك العالم خلفي أتحرر‏‏‏
فإذا الأنقاض من حولي ذرى‏‏‏
مشرقات بنجوم ليست تحصى‏‏‏
وشموس لا ترى..‏‏‏
أنت يا موت الرؤى‏‏‏
كل الرؤى الخضر، وموتي‏‏‏
أترانا نتخطاك..‏‏‏
بهذي النبضة البكر‏‏‏
الجديدة؟‏‏‏
أيكون المنقذ الآتي..‏‏‏
قصيدة؟‏‏‏
ولكني لا أزال أتساءل:‏‏‏
يا لطفل ملأ الدنيا رؤى‏‏‏
وأهازيج جنون واصطخاب‏‏‏
وسؤالي بعد سبعين انطوت‏‏‏
خطأي العاصف أحلى أم صوابي؟‏‏‏
قلت: مع اشتداد الضربات رأيت الابتعاد عن الأحداث المباشرة بقدر يتيح لي الإصغاء إلى عالمي الداخلي، وعالمي الخارجي، وتأمل ما وراء الواقع وسبر ذاتي التي أغفلتها فيما مضى أو قل صهرتها في الهم العام.‏‏‏
وهكذا اتجهت إلى أدب الأطفال والسيرة الذاتية.‏‏‏
وجاءت بعد ذلك «الثمالات» بأجزائها الخمسة لتكمل إخراجي من الدوامة دون أن تسقط الهم الأول الذي اتخذ فيها بعداً مفتوحاً على كل هموم الإنسانية.‏‏‏
في أدب الأطفال اخترت تناول موضوعات تتصل باهتمامات الصغار وحاجاتهم فتحدثت عن الطبيعة والألعاب والهوايات والأحلام والآمال.‏‏‏
ونوعت طرق المخاطبة فقلت الشعر وكتبت المسرحية والقصة الواقعية والخيالية، وعربت آثاراً أجنبية لإغناء هذه التجربة وسد الثغرات التي تراءت لي فيها، وكان التعريب بالاشتراك مع زوجتي الدكتورة ملكة أبيض وبعض الأصدقاء.‏‏‏
وفي الثمالات اتسعت مساحة النتاج الموجه للكبار، وتوزعت على الشعر والنثر، وفيها أعطيت نفسي حرية تناول أي فكرة تدور بخلدي أو تلح علي، لأني أردت أن أقدم نفسي بما تحمل من انفعالات وهواجس أو أفكار ومثل، سواء بسواء.‏‏‏
لذلك يرى القارئ فيها ألواناً من القصائد واحدة عن الأرض، وثانية عن المرأة، وثالثة عن العالم وما يشهده من صراع ودمار، ورابعة عن التراث، وخامسة عن الذكريات وهكذا.‏‏‏
أناشيد الأبجدية الأولى..‏‏‏
في حضرته أطفالاً عدنا، تذكرنا أناشيد الأبجدية الأولى التي كنا نغنيها مذ وعينا وفتحنا عيوننا على الحياة، وهو الذي أنشد للأطفال ولهم كتب، فأورق قلمه واعشوشب الدفتر، لأنهم كانوا الملاذ له من اليأس والهزيمة وفيهم يرى خير من سيتولى حمل الرسالة لذلك كان شعاره التربوي الدائم:‏‏‏
دعوا الطفل يغني‏‏‏
بل غنوا معه أيها الكبار‏‏‏
وقد ردده كثيراً لدى لقائنا به، الشاعر الكبير سليمان العيسى لم يستطع أن يتجاوز طفولته وقد قارب التسعين يقول:‏‏‏
لابد من الطفولة إذاً‏‏‏
لابد من الجذور والينابيع‏‏‏
لابد من قصائد المتنبي وأبي فراس والشريف الرضي وإبراهيم اليازجي وغيرهم.‏‏‏
لابد من رفاق الضيعة وطلائع العروبة الأولى، عن بسمة ماما سر وجودنا، عن الأطفال المحرض الأول له سألناه:‏‏‏
متى بدأت الكتابة للأطفال؟‏‏‏
في عام 1967 الذي أطلق عليه عام النكسة، انتقلنا من حلب إلى دمشق، كنت موجهاً للغة العربية في وزارة التربية، في هذا العام بالذات بدأت تجربتي الفريدة في الكتابة للأطفال إذ كانوا همي الأول، لقد أحسست بعد النكسة أن مرحلة احترقت كلها ولابد أن أبحث عن نافذة للخلاص والأمل فوجدتها في عيون الأطفال.‏‏‏
هل كنت تكتب لتسليهم؟‏‏‏
لا بل لأنقل إليهم تجربتي القومية، وتجربتي الفنية الإنسانية، كتبت لهم عن طفولتي في قريتي الصغيرة، على ضفاف العاصي، عن بيتي الصغير المبني من الحجر والطين، عن والدي الشيخ أحمد وأمي القروية البسيطة.‏‏‏
كانوا حاضرين دائماً في أعمالي الشعرية التي صدرت في أربعة مجلدات، وفي سيرتي الذاتية، في دواويني الأخيرة التي حملت عناوين «ثمالات» و«الكتابة بقاء» و«كتاب الحنين» و« همسات متعبة» قدمت للشعراء العرب الصغار كتاباً بعنوان «شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال».‏‏‏
كما أهديتهم مئات القصص التي عرّبتها وزوجتي الملكة من الأدب العالمي، وشارك في بدايتها بعض الزملاء والتي صدر قسم منها عن دار طلاس في دمشق، ولا تزال الأقسام والمجموعات الأخرى تصدر تباعاً عن دار الفكر والحافظ بدمشق.‏‏‏
كما قدمت لهم ديواني «حدائق الكلمات»و«أراجيح تغني للأطفال» المستوحيين من القصص المعرّبة، وهما لا يقلان عن «ديوان الأطفال» و« فرح الأطفال».‏‏‏
ويتعب الشاعر الكبير من الكلام فتتابع زوجته عنه قائلة: في نتاج سليمان الضخم كلّه يطل الحلم العربي الذي فتح عينيه عليه في لواء اسكندرون، المحرك الأول، والينبوع الأول لكل ما يكتب، لا بل هو الدليل الذي يقود سلوكه، ويضيء حياته، والذي تجلى أول ما تجلى في النضال من أجل قضية العرب الكبرى، الوحدة العربية القادرة وحدها على أن تعيد لوجودنا العربي كرامته ومعناه، وإني لسعيدة كما هو سعيد، أكون قد شاطرته أحلامه وأفكاره وحياته، منذ لقائنا الأول حتى الساعة.‏‏‏