حليم بركـات: أحـــبّ شـــجرة الصفصـــاف...

ثورة أون لاين:

حليـــــــم بركــــــــــات: أحـــبّ شـــجرة الصفصـــاف لأنهـــا تنكــفـىء علـــى ذاتهــا وجذورهـــا..و كلمـــا كبــــرت في العمــــر انـحنــت أغصــــاني نحــــو جــــــذوري‏

لقاء الاسبوع‏
الاثنين2-2-2009م‏
حوار: ديب علي حسن‏
حليم بركات عالم الاجتماع العربي الذي حقق شهرة ملأت الآفاق وهو بالوقت نفسه كاتب روائي يمتلك رؤيا، وقد تحققت رؤاه منذ أكثر من أربعين عاماً ونيّف..‏
واليوم يقدّم حليم بركات خلاصة فكره وعلمه في مؤلفات ثرّة وغنية، وفي روايات أدبية حققت شهرة عربية وعالمية.‏‏‏
بالإضافة إلى ذلك هو المفعم بالإنسانية الذي يقف عند الكثير من المحطات حتى ولو كانت صغيرة يحللها ويقدمها برؤى جديدة.. هو الطفل الذي رحل وارتحل كثيراً، تغرّب في أنحاء كثيرة من العالم، حليم بركات في دمشق في زيارة صيفية، كان الوقت صيفاً، أي إن هذا الحوار أجري في فصل الصيف، إذ اتصل بي الصديق عيسى فتوح يعلمني أن د. حليم بركات موجود في دمشق وكنت قبل ذلك بثلاث سنوات وتحديداً في عام 2005م التقيت الروائي في معرض فرانكفورت وكانت دردشة عابرة حول بعض الأمور الثقافية، وتدور الأيام ويعود الدكتور بركات إلى دمشق ويستضيفه المركز الثقافي العربي في دمشق (أبو رمانة) في ندوة مفتوحة كانت متميزة ومهمة وقد لاقت صدى طيباً، ومع هاتين المحطتين لم يكتمل الحوار، ولم يتح وقت أستاذنا أن نحاوره، ولكن صيف عام 2008م كان الموعد، في فندق أمية حيث ينزل التقيته وكان الحوار، وربما كانت هذه الفترة الزمنية تصب في مصلحة الحوار، إذ اطلعت على المزيد من كتبه وآرائه.‏‏‏
رحّب أستاذنا بي وأبدى موافقته على الحوار على ألا يكون في أي مكان آخر، أي خارج الفندق إذ إنه على أهبة السفر إلى محافظة حلب، وكان أن توجهت إلى الفندق حيث موعد ثان مع الشاعر العربي الكبير هارون هاشم رشيد الذي أتى دمشق مشاركاً في أمسية شعرية وكانت بالطبع فرصة طيبة لأن يتعارف المبدعان:‏‏‏
بركات ورشيد عن قرب، جلسنا معاً بعد أن تعانقنا وبدأت حديثاً ودّياً تطرق إلى موضوعات شتى وتبادل المبدعان العناوين على أمل اللقاء والتواصل وكانت مهمتي في إجراء الحوار قبل ذلك قد بدأت وانتهت قبل أن نجلس معاً، وفي الجعبة الكثير من الأسئلة التي طرحتها على عالم الاجتماع الروائي حليم بركات وكان هذا الحوار:‏‏‏
رحلة عمر‏‏‏
من الكفرون إلى بيروت إلى الولايات المتحدة الأميركية رحلة حافلة ومثمرة.. أما آن لهذا الفارس أن يرتاح قليلاً؟‏‏‏
لا توجد راحة في الحياة، لا أؤمن بها، ولا أبحث عنها، المهم أن تظل المعاناة مستمرة في علاقتك مع العالم ومجتمعك والأوضاع السائدة فيه، فمن خلال هذه المعاناة يمكن أن تعبر بتحليل نقدي وتقدمي من وجهة نظرك إذ ليس هناك شيء موضوعي بتاتاً، الإنسان ذاتي ولكن عليه أن يحترم القضايا العامة، ومن خلال العلاقة العامة ومن المعاناة الذاتية تكون الرؤيا.‏‏‏
وأود أن أقول: إني لا أحب أن أعيش في مكان دائم ، أنا أعود إلى الوطن كل سنة، أتجول في سورية ولبنان وحيناً أذهب إلى الأردن، وقد زرت بلداناً عديدة.‏‏‏
هذا يدعوني لسؤالك: أي محطات الحياة هي الأجمل؟‏‏‏
محطات كلها جميلة ويمكن أن يحمل المستقبل العودة إلى الذكريات وأحب شجرة الصفصاف وأعيد ما قلته سابقاً في (طائر الحوم) وفي (الاغتراب في الثقافة العربية) إذ قلت: وفي المنفى الطوعي أصبحت أسير حنيني إلى الوطن وانشغالاتي بقضاياه وعندما تنصحني الحبيبة بالتحرر من هويتي الذاتية ورواسب الماضي أجيب: (الذاتية لا يمكن، أما ما تسمينه رواسب فأسميه جذوراً لذلك أحببت شجرة الصفصاف، ليس لأنها تبكي وتهبط دموعها إلى النهر فتحدث دوائر تتلاشى في بعضها، وليس فقط لأن رؤوس أغصانها المتدلية ترسم أعيناً متتابعة على سطح الماء كلما حركها الهواء، أحب شجرة الصفصاف لأنها تنكفىء على ذاتها وجذورها، كلما كبرت في العمر انحنت أغصاني نحو جذوري).‏‏‏
كنت في الثامنة يوم غادرت وطني، وفي معظم كتبي استفدت من تجربتي الذاتية، وأحرص كل صيف للعودة إلى بلدي.‏‏‏
كيف تقرأ المتغيرات الاجتماعية وأنت صاحب النبوءة في روايتك (ستة أيام) واستشراق المستقبل..؟‏‏‏
حاولت في عامي 1960 /1961 عندما كتبت رواية (ستة أيام) أن أتصور حرباً وقعت بين العرب و«إسرائيل» وهذا ما حدث في 1967م، وأنا لا أعتبرها (نبوءة) بل هي (رؤيا) لأنني أردت أن أقول: إن البلدان العربية ضعيفة لأسباب كثيرة، ولن تتمكن من مواجهة هذا التحدي من قبل (كيان غاصب) وقوي، تصورت حرباً لا أريد أن أمدها طويلاً، وأنا حريص على فكرة الزمن الموجودة في أعمالي كلها.‏‏‏
ووقعت الحرب‏‏‏
ويضيف قائلاً: عندما وقعت الحرب كنت أستاذاً في الجامعة الأميركية، وأخذت عدداً من تلاميذي وذهبنا إلى الأردن وسكنا مخيم اللاجئين، عشنا معهم،‏‏‏
أجرينا لقاءات مع اللاجئين، كنت أتحدث وتلاميذي معهم.‏‏‏
أعود إلى الخيمة وأسجل ما دار بيننا، وكان أن كتبت رواية (عودة الطائر إلى البحر) وهي تصوير واقعي لما حدث حتى إن بعض الأسماء والشخصيات حقيقية تركتها كما هي ولم أغيرها.‏‏‏
الهرمية لا تزال قائمة..‏‏‏
تحدثت عن هرمية العائلة العربية، وثمة من يرى أنها بدأت تتفكك وتنهار..؟‏‏‏
أنا أعتقد أن الهرمية لا تزال قائمة، هناك نخبة قليلة، وطبقة من الفقراء المحرومين، وفي الوسط طبقة وسطى، بعض الناس يتصورون أن الطبقة الوسطى لم تتقدم ولكن أعتقد أنها بسبب التعليم الجامعي واتساعه إلى الريف في الخمسينيات من القرن الماضي وما بعد ازدادت تقدماً واتساعاً وتحول قسم كبير من الفقراء إلى طبقة وسطى، هذه هرمية وهي متحركة بشكل دائم.‏‏‏
ولكن هل انتهت الطبقة الوسطى.. هل سُحقت؟‏‏‏
عندما سيطرت الدولة على المؤسسات أصبح حتى الجامعي (الأستاذ) موظفاً حكومياً، ولذلك وبطريقة غير مباشرة استطاعت الدولة السيطرة على الطبقة الوسطى وتمكنت أن تفتح لها المجال لتنمو وتكبر وتنمي قدراتها.‏‏‏
ترى هل المرأة العربية تعاني اغترابين، اغتراباً طبقياً، واغتراباً على صعيد البنية التحتية، هل وضع المرأة في الغرب هو الأفضل برأيك؟‏‏‏
أعتقد أن المجتمع الأميركي لا يزال عنصرياً وأبوياً وكذلك حاله بالنسبة للمرأة، فهي لا تزال تعاني كما يبدو من الكثير، وقد قالت كاتبة أميركية في المغرب تدرس أستاذات جامعيات أكثر مما في الولايات المتحدة، أي في المغرب عدد من يعملن في الجامعات أكثر منه في أميركا..‏‏‏
وأسأله: هل وضعها في المغرب أفضل من المشرق؟‏‏‏
يمكن أن يكون كذلك، لم نجرِ مقارنات، إنما هذا ما ورد في الكتابات الأدبية.‏‏‏
بعد الفضاء المفتوح والبث الفضائي نشأ فرع جديد من علم النفس، سمي علم النفس الفضائي.. ألا نحتاج إلى ما يوازيه في علم الاجتماع؟‏‏‏
لا أعتقد أن النمو في علم الاجتماع بعيد عما هو عليه في علم النفس، لقد استفاد العلمان من بعضهما، استفاد علم الاجتماع من المبادلة، لقد درست علم الاجتماع، ثم علم النفس.‏‏‏
أعتقد أن الدراسات الاجتماعية لا يمكن فصلها عن المجتمع وعن أي علم من العلوم، فعلم الاجتماع يهتم بكل شيء، فأنا إذا أدرت معرفة مجتمع ما أقرأ الرواية، لا علم الاجتماع.‏‏‏
إذا أردت أن أعرف المجتمع المصري، أقرأ روايات نجيب محفوظ فهي تصور بدقة كل ما جرى في المجتمع.‏‏‏
كأن روايات هذا العصر مثله سريعة لا تقدم شيئا.. هل تقدم روايات اليوم صورة للمجتمع؟‏‏‏
أعتقد أنها تصور ذلك، لا يعني أنها قد لا تخطئ ولا تستوعب وينقصها ذلك، لكن نستطيع أن نعرف من خلال الرواية ما يجري وكثيراً ما علمت علم الاجتماع السياسي من خلال الروايات، وأعرف الفكر الثوري من خلال الرواية أكثر من علم الاجتماع.‏‏‏
لمن تقرأ من الروائيين العرب؟‏‏‏
ليس هناك تيار روائي عربي لم أقرأه، قرأت مختلف التيارات الروائية العربية بدأت بجرائم لنجيب محفوظ ويوسف إدريس ومنيف وغيرهم.. وسيصدر كتاب لي عن دار الساقي يتناول تجارب روائية.‏‏‏
طلاب الجامعات الغربية هدفنا‏‏‏
ماذا عن دورك كعالم اجتماع وروائي مغترب في نقل صورة حقيقية عن العرب إلى الغرب حيث أنت؟‏‏‏
في الغرب مفكرون عرب أدوا أدواراً مهمة مثل: إدوارد سعيد، هشام شرابي وآخرين.. وقد عملوا على نقل الفكر العربي إلى الطلاب الجامعيين وهم هدفنا، لقد التقينا في ندوات ومحاضرات، وتناولنا تأثير الهجرة على الإبداع، فأنت موزع في عالمين، في الغرب فائدة كبيرة من خلال المؤسسات الثقافية، لكنهم يعملون على تشويه ثقافتنا، لذلك عمدنا إلى إقامة مرجعية تقدم رؤية غير مشوهة لثقافتنا، بعضهم يستقبل هذه الرؤية ولا سيما من طلاب الجامعات ومن خلال الجامعات يطلع الرأي العام الأميركي على قضايانا وثقافتنا، لقد أسسنا رابطة الخريجين الجامعيين سنة 1968م في الولايات المتحدة ولا تزال حتى الآن وكنت رئيساً لها حتى عام 1986.‏‏‏
وماذا عن الغربة؟‏‏‏
لقد تحدثت عن الغربة في أكثر من كتاب في كتاب (الهوية) وكتاب (الاغتراب في الثقافة العربية متاهات الإنسان بين الحلم والواقع) وأضيف: إننا ما زلنا نعاني من اختراق (حنين إلى الوطن) من هنا حلم العودة، فأزمة عدم الانتماء إلى الغرب قائمة أنت تفهم ثقافة الغرب ولكن لا تستطيع أن تندمج فيه وأحياناً لا تفهمه.‏‏‏
ثمة من يرى أن روايتك (المدينة الملونة) هي سيرة ذاتية قريبة من النفس الملحمي.‏‏‏
هذا كلام أعتز به، ولكن أرجو أن يكون صحيحاً كنت في بيروت، وأردت أن أكتب رواية حول هذه التجربة (بيروت في الخمسينات) وقبل ذلك أجريت بحثاً مع الشخصيات الثقافية، وقرأت الجرائد والمجلات بعد ذلك نسيت ما قرأت، وبدأت أكتب من الداخل عمّا في الداخل.‏‏‏
هل أنصفك النقد الأدبي وأنت الذي أنصفت المجتمع العربي دراسة وتنظيراً؟‏‏‏
بعضه أنصفني، دائماً هناك خطأ، وهذا شيء طبيعي بعد صدور (المدينة الملونة) صدرت قراءات هامة عنها، وتلقيت رسائل من أشخاص عاديين قدموا آراءهم في رسائلهم وقد جاءتني من مختلف أنحاء الوطن العربي، وهذه مصدر اعتزاز وفخر بالنسبة لي.‏‏‏
هل ثمة رواية جديدة؟‏‏‏
طبعاً، أفعل ذلك، أعمل على العيش في دمشق أو حلب وقتاً طويلاً لأكتب عنها كما كتبت عن بيروت.‏‏‏
وهل يعني هذا أنك نويت أن تستقر في الوطن أم إن الوقت لم يحن بعد؟‏‏‏
الوقت تأخر، الأمل بالعودة إلى وقت أطول أقضيه في الوطن وأزور خلاله كل ربوع بلادي هذا ما أتوق إليه إن لم أعد كلياً، فلدي ارتباطات خاصة (العائلة والأولاد).‏‏‏
ماذا عنهم؟‏‏‏
العائلة منتشرة في واشنطن وديترويت، ونحن على صلة دائمة.‏‏‏
هل هم على خطاك؟‏‏‏
أرجو أن يكتشفوا ما لهم..‏‏‏
وماذا عن المرأة؟‏‏‏
كتبت رواية (بين السهم والوتر) أردت أن أرصد واقع المرأة وصراعها من أجل التحرر، ما أزال أؤيد التحرر الحقيقي والتغلب على الأبوية، وحالها في تقدم مستمر، وأصبح له بعض الشأن، ولا تزال بحاجة إلى التقدم والفعل والمشاركة وليست كل الطرق في الغرب مفتوحة أمام المرأة.‏‏‏
هل تعيد سيرتك ذاتها لو قدّر لك؟‏‏‏
هذا سؤال نظري طبعاً، والإنسان دائماً يجب أن يكون في محاسبة لنفسه يقول: تمنيت لو فعلت هذا أو تركت ذاك، نحن محكومون بالتقصير وعدم الاكتمال، النظرة النقدية ضرورية، وأنا راض على ما حققته وما حاولت أن أحققه لأني بذلت جهداً قدر المستطاع، وليس هناك من راحة دائمة، هناك سعي وتطلع إلى المستقبل انطلاقاً من الحاضر.‏‏‏
محطــات في حياتـــــه‏‏‏
- ولد في الكفرون- سورية- عام 1933م.‏‏‏
- هاجر إلى بيروت وهو صغير.‏‏‏
- نال بكالوريوس عام 1955م وماجستير عام 1960م من الجامعة الأميركية في بيرت ودكتوراه في علم النفس الاجتماعي عام 1965 من جامعة ميشيغان، آن آريور.‏‏‏
- عمل أستاذاً جامعياً في الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة تكساس.‏‏‏
- زميل باحث في جامعة هارفارد.‏‏‏
- تقاعد من جامعة جورج تاون حيث درس لمدة 26 عاماً كأستاذ المجتمع والثقافة في مركز الدراسات العربية المعاصرة.‏‏‏
مــــن مؤلفاتــــــه‏‏‏
- نشر مجموعة قصصية (الصمت والمطر) 1958.‏‏‏
- القمم الخضراء / رواية/ 1956.‏‏‏
- ستة أيام / رواية 1961.‏‏‏
- عودة الطائر إلى البحر / رواية 1969.‏‏‏
- الرحيل بين السهم والوتر / رواية 1979.‏‏‏
- طائر الحوم / رواية 1988م.‏‏‏
- إنانة والنهر / رواية 1995م.‏‏‏
-المدينة الملونة - رواية.‏‏‏
- في الدراسات:‏‏‏
- المجتمع العربي المعاصر/ 1984.‏‏‏
- حرب الخليج خطوط في الرمل والزمن /1992.‏‏‏
- المجتمع العربي في القرن العشرين /2000م.‏‏‏
- المجتمع العربي المعاصر- بحث استطلاعي اجتماعي /2001م.‏‏‏
- الاغتراب في الثقافة العربية متاهات الإنسان والحلم والواقع/2006م.‏‏‏
- الهوية.. أزمة الحداثة والوعي التقليدي /2004م.‏‏‏