الثقافة والوجدان

ثورة أون لاين:

الأربعاء 3-8-2011
عبد الكريم الناعم
-1-ليس الغرض من هذه المقالة أن أقدم دراسة في تعريف «الثقافة» و «الوجدان» بل ثمة هدف آخر يتعلق بأثر «الوجدان» وفعاليته في حياة الإنسان عامة وبأثر الثقافة في (استقامة) السلوك ونقائه‏
وهل هي رادعة لمن تذهب به نفسه للانحراف وهل هذا شامل وعام أم إنه يختلف من فرد لآخر وهل يمكن أن نشطب دور الثقافة والتثقيف الأخلاقي الاجتماعي فلا يعود ثمة فارق بين مثقف وغير مثقف؟‏‏
-2-‏‏
جهل منا أن نقول إن الثقافة وعدمها سيان لمجرد أن مثقفاً أو مجموعة من المثقفين قد أخذتهم الأهواء وجرتهم الانفعالات إلى مواقف لا يحسدون عليها كما حدث مع علي سالم الذي كان في فترة حسني مبارك ناطقاً منافحاً عن فضائل كامب ديفيد وما تلاها من تفصيلات على الساحة العربية وكما حدث لعزمي بشارة الذي انزلق بعيداً عن وراء البترودولار ولسنا ندري عم سوف يتكشف الغبار الذي يحجب الكثير من الرؤية الآن.‏‏
تسعى الأمم والشعوب لنشر التعليم في بلدانها لأنه يمهد للدخول إلى رحابات (المعرفة) وثقافات العالم كلها تدعو نظرياً للحق والخير والجمال وليس ثمة من يشد إلا الكيان الصهيوني فهو كيان على المستوى الأيديولوجي والتثقيفي والتربوي حافظ على الفيتو اليهودي المحمول في الدواخل البعيدة، فالأخلاق عندهم كما هو معروف تلمودياً واجبة بين الصهيوني والصهيوني لابين الأغيار (الغوييم) فالأغيار حلال مالهم ودماؤهم وأعراضهم.‏‏
إن المتعلم يعرف من حدود الثقافة مالا يعرفه الأمي وهذه المعارف بحقانيتها وبما تحمله من مثل عليا وخاصة حين تكون محترمة ومقدرة في الوسط الاجتماعي وتشكل قيمة معنوية فإنها تحفز الناس لتجسيد ذلك السلوك المحترم من غيرية وصدق ووفاء وأمانة واعتبار امتدادات الداخل نحو الخارج وحدة في التعامل وفي حمل الأمانة ويرفع من حضور هذا الأثر أن المجتمعات التي نسميها متقدمة تحترم وتقدر تلك القيم فإذا كان الفرد ممن يحمل ميلولاً دينية أخروية تتعمق الآثار الفاعلة في النفس فهو ممن لهم في الدنيا طيب الذكر وحسن الأمثولة ويكون ثوابه الأخروي أن ذلك السلوك قد مهد له أن يرتقي إلى رضوان الرحمن، ثمة من لايشغله أمر الآخرة وهو مستقيم في سلوكه وطهراني في نزعته وهو لايرجو إلا الانسجام مع المبادئ التي يحملها فهو من محبي مكارم الأخلاق ولعل مجتمعاتنا أحوج ما تكون إلى أمثال هؤلاء الطهرانيين إذ لانشكو من نقص في عدد الذين يذهبون إلى المساجد ولا من كثرة الذين لا يؤمونها بل نشكو من نقص في صدقية الأداء واعتبار أن أموال الدولة وكل ماله علاقة بالشأن العام هي أموال الله وحق الناس وأن أي تهاون فيها أو تفريط هو تفريط في مال الله لأن الحديث النبوي يقول: «الخلق كلهم عيال الله» -انتبه إلى مفردة (كلهم) فقد قال الخلق كلهم دون تحديد دين معين وهذه أموال عامة الضرر والنفع بها يعودان على عباد الله فهي أموال الله.‏‏
وهؤلاء الطهرانيون كل بحسب قناعته النظيفو اليد هم الذين عليهم المعول في الخروج من مناطق العتمة والانكسار إلى مناطق النور والنهوض.‏‏
-3-‏‏
انطلاقاً من الظرف الذي تمر بها سورية الآن في فضائها الثقافي والذي لا يمكن عزله عن الحراك العام بتوجهاته الاجتماعية وفي اختيار الطريق وفي الخروج من منطقة الأزمة إلى منطقة التعافي ودون أي إغفال للانقسامات في الآراء على مستوى المثقفين يتساءل الإنسان أين هو دور الثقافة بل والمعرفة في هذا الحراك الصادم؟‏‏
ليس مقبولاً أن نتهم أحداً من المثقفين أنه لا يعرف أين يضع قدمه بل هو يقف حيث اختار فإذا كانت المعرفة والثقافة عاصمة من الزلل فيفترض أن تكون المواقف متشابهة أو متقاربة بينما الذي نراه أن ثمة شقاً عمودياً يشبه الفوالق العميقة العريضة فأين هو الخلل؟‏‏
الذي نراه أن قسماً كبيراً إن لم يكن الأكبر من الخلل واقع في (الوجدان) الوجدان الفطرة التي زرعها الله فينا لنميز بين ماهو خير وما هو شر، بين ماهو حق وما هو باطل، وفي هذا السياق لا يمكن التعويل على مقولة إن لكل رأيه انطلاقاً من زعم حرية الرأي وهي مقولة ملتبسة ومراوغة إذ لو أخذنا بهذه المقولة لكان للذين احتلوا أرضنا (رأيهم) القائم على ما نعرف من ادعاءات ولكان للذين يسلبون أقوات الناس ويستغلون مجهودهم رأيهم أيضاً، والحد الفاصل بين الالتباس وعدمه أو الانزلاق والوقاية منه الموقف الوجداني من أي مسألة، والوجدان هنا ليس أن تكون لنا حرية الاختيار ملونة بمقولات زائفة ذات بهرجة، بل أن نبحث عن مصلحة الشرائح الاجتماعية من الفقراء والمفقرين عن الصالح العام دون غبن للشرائح الأخرى وأن نصغي جيداً لصوت الوجدان الداخلي.‏‏
أنا أعرف أن ثمة من الناس من تعمي الأحقاد أبصارهم والبصائر وثمة العديد لدى الناس من الدوافع المعقدة والمتشابكة، بيد أن الذي يظل وجدانه يقظاً يظل محمياً بقلوب الأنبياء والحكماء وينير نحو الداخل قبل أن تنبثق أنواره نحو الخارج.‏‏
الوجدان هو حالة من حالات تفتح الوعي الكوني ومن عدمه فقد خسر كنزاً من الكنوز الموهوبة من مودع تلك الفطرة.‏‏
عند مسألة الوجدان يبدو أن الثقافة كمعراج موصل تتراجع عند البعض ويمكن الاستدلال بالكثير من الأمثلة، بيد أنني اكتفي بمثال كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة ومقدار الشر الذي ينطوي عليه تجاه الحق العربي وهذا الشخص لايمكن القول عنه إنه غير مثقف فهو من طراز الرجال الاستراتيجيين في التخطيط وهذا لا ينطبق على ناس الخارج فقط إن صحت العبارة بل على ناس الداخل فنحن جميعاً نعرف أكثر من اسم ممن عرفتهم صفحات الثقافة والسياسة والمعرفة وقد أوغلوا بعيداً حتى لكأننا أمام شخص آخر غير الذي عرفناه.‏‏
ثمة خلل ما فيما عرفناه أو فيما لم نعرفه، العلة ربما كانت في (الوجدان) لافي (الثقافة) وحين يحجب الحضور الوجداني لاتبدو الآفاق مكشوفة بل يصبح الضباب أو غبار العاصفة هو المسيطر.‏‏
هذا الوجدان قد يكون نامياً بدرجة باهرة عند راعي إبل أو رجل أمي وهو يحرص عليه وعلى التمسك باستقامته حرصه على الحياة ولا يساوم لإيمانه الكبير أن لديه جوهرة نادرة يصونها ويدافع عنها ويعلم أنها معراجه نحو الأعلى.‏‏
ثمة من الناس من يرفضون أن يدخل المال الحرام بيوتهم وذلك أحد تجليات حضور الوجدان.‏‏
-4-‏‏
في الغالب إن صاحب الرأي يرى نفسه أنه على صواب ودون أي تجاهل لتلك المقولة: «رأيك صواب يحتمل الخطأ ورأيي خطأ يحتمل الصواب» لأنها أحد مفاتيح التفاهم في الغالب يرى نفسه مصيباً حتى في انحيازاته الداخلية التي يخجل من الإفصاح عنها وهذه مشكلة وخاصة حين يصر البعض على التشبث برأيه فيصبح أن ينتصر هو ورأيه أهم من البحث أين هي المصلحة العيا؟‏‏
لقد قال الأقدمون: إذا أردت أن تطاع فاطلب مايستطاع» وليس من الحكمة في شيء أن نقف طويلاً عند ماقالته البسوس ذات يوم: «ياناقتي تقوم ياحرجي مليان نجوم» لأن هذا كلام من يريد للناس أن تذهب إلى الفتنة والفتنة أشد من القتل كما ورد في القرآن الكريم.‏‏
-5-‏‏
بعض ممن لاينقصهم إلا أن يقولوا إنهم (معصومون) ربما تغريهم استدراجات الشجاعة أو توهم الشجاعة فيصلون إلى منحدرات تثير التساؤل حتى لكأن من يتصرف ليس ذاك الذي كنا نعرفه، لهؤلاء نقول: إن الشجاعة حين لاتكون في الحق تأخذ مواصفات الاستعلاء أو ربما تنزلق إلى درجة التعدي والظلم.‏‏
أظن أن البعض يعتقدون أنه إذا لم يأخذ كل الناس برؤيتهم فسينحدرون جميعاً إلى الهاوية وهذا (العجب) لا يترك منفذاً لحوار مجد بل تصبح الأمور: «الحق ما أقول أنا ومن معي» وذلك أحد أمراض التحزب (الفكري) والفكر أقل رحابة من الثقافة لأن الثقافة تتسع للعديد من الأفكار بينما ماهو فكري حين لا ينفتح على الآفاق الممتدة يتحول إلى مرض يذكرنا بطفولة اليسار.‏‏
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.