الأديبة سلمى الحفار الكزبري ...في آخر رسائلها الصداقة فوق الحب

ثورة أون لاين:

شؤون ثقا فية
الثلاثاء 22/8/2006م

أعرف رسائلها من خطها الدقيق الانيق, ومن حروفه المنسابة كسرب عصافير دورية في الفضاء الازرق الرحيب. . وآخر رسائلها إلي حملت تاريخ العشرين من حزيران الماضي, وتضمنت تحية محبة لسؤالي عنها وعن صحتها ولم يدر في خلدي للحظة واحدة ان تكون تلك تحية الوداع قبل الرحيل..
رحلت سلمى الحفار الكزبري في بيروت يوم الجمعة 11/8/2006 تحت هزيم القصف الهمجي الغادر.. وبالتأكيد فقد عجلت برحيلها الكارثة التي دمرت كل جمال الحياة في لبنان العزيز, واوقفت الى الابد نبض روحها الخفاق بالحب والخير والايمان الصادق.‏
وحين وصلني النبأ الحزين, عادت بي الذاكرة الى ذلك الشريط الممتع الذي سجلته ذات لقاء معها وتعودت ان اعيد الاستماع اليه بشغف وسعادة..‏
كنت في الرابعة من عمري من عام 1926 عندما نفي والدي, وكان وزيراً في حكومة المفوض السامي الفرنسي, مع ثلاثة وزراء آخرين هم اصدقاؤه في النضال: فارس الخوري, وسعد الله الجابري, وحسني البرازي, الى منطقة الجزيرة شمال سورية مدة شهرين, بعدها نقلوا جميعهم الى منطقة الكورة شمال لبنان وتحديدا قرية اميون فسمح لعائلاتهم بعدها بالالتحاق بهم . قضيت في شمال لبنان فترة سنتين حتى بلغت السادسة من عمري وانا احفظ الى اليوم ودا ومحبة لهذه القرية الشمالية.‏
اول مقالة لي حملت عنوان ( كيف يجب ان نستفيد من الزمن?) ويومها كنت مقهورة اتساءل: لماذا تمضي النسوة اوقاتهن لوحدهن بعيداً عن الرجال الذين يلهون ويمرحون في المقاهي, فكنت بذلك اتمرد على المجتمع, وقد نشرت المقالة في مجلة ( الاحد ) الدمشقية, بعدها كتبت شعراً بالفرنسية ومن ثم (يوميات هالة) الذي صدر عام .1950‏
و(يوميات هالة) جاءت انعكاساً لي‏
-نشأتي كانت سياسية اجتماعية في بيت محافظ, والدي من الرعيل الاول فعشت تاريخا مع رفاقه المناضلين السياسيين في سورية ولبنان ومصر والعراق.‏
وأنفق والدي المال الذي ورثه عن ابيه في سبيل سورية وحريتها واستقلالها. وقد أنشأني وعلمني وشجعني وقد كتبت كتابين عنه هما ( عنبر ورماد) ولطفي الحفار..(مذكراته وحياته و عصره) فوالدي مثلي الاعلى في الحياة وقد توفي عام .1968‏
تزوجت اول مرة من محمد رشيد كرامي شقيق الزعيم عبد الحميد كرامي في لبنان, لكن زوجي توفي بعدما وضعت ابني البكر نزيه وله من العمر 51 يوماً فقط, فصدمت لكن الصبر والايمان بالله ورعاية الاهل والحب الذي احاطني به آل كرامي, كل ذلك دفعني الى ان اقضي خمس سنوات جديدة متنقلة بين دمشق وطرابلس, وخلال تلك الفترة رحت اتابع دراستي في اللغة العربية فتتلمذت على يد الاستاذ ابو الخير القواص, فتناولت معه كل الادب العربي والتاريخ الاسلامي, وراسلت الجامعة اليسوعية في بيروت, وحصلت من خلال دراستي على اجازة في العلوم السياسية باللغة الفرنسية, وبدأت اكتب مقالات في مجلة( صوت المرأة) في بيروت في تلك الفترة, اما ابني البكر نزيه فقد تابع تحصيله المدرسي في مدرسة ( برمانا ) بمنطقة المتن, ليدرس بعدها الحقوق في القاهرة ويصبح محامياً لامعاً.‏
في تلك الفترة بلغت ال 26 ربيعاً فدفعني اهلي وعائلة زوجي الراحل الى الزواج, فتزوجت من نادر الكزبري, وهو دكتور في الحقوق من جامعة السوربون, في جامعة دمشق وعضو مجلس الشورى.‏
انا مدينة لرجلين في حياتي : والدي الذي علمني وشجعني ودربني, وزوجي الذي عرف بقصتي, وكان مصراً على رفيقة درب من نوعي, وهو محب للفن والادب وله ذوق رفيع في تلك الامور, وقد استفدت من آرائه كثيراً, واتمنى ان يكون لكل السيدات ازواج مثل رفيق عمري نادر .‏
من المعروف ان صداقة عائلية جمعتك بالشاعر الكبير الراحل نزار قباني:‏
-العلاقة بيني وبين نزار علاقة زمالة اولاً, فأنا ناثرة وهو شاعر, وكنا نقرأ لبعضنا بعضاً قبل مرحلة اسبانيا التي انتقلت اليها مع زوجي بحكم عمله الدبلوماسي. ونزار كان تلميذاً لزوجي نادر ويكبرني بسنة واحدة فقط, وعمل كمستشار في السفارة السورية في اسبانيا حتى ,1966 ليعتزل بعدها العمل الدبلوماسي, وفي تلك الفترة اصبح جزءاً من العائلة, اضافة الى الاعضاء الآخرين في السلك الدبلوماسي ا لسوري في اسبانيا, فكنا نقضي سهرات عائلية, ولم يكن يومها نزار قد تزوج للمرة الثانية من المرأة التي احب ( بلقيس), وكان له أولاد من زوجته الاولى, فتعرفت , زوجي وانا , الى نزار الدبلوماسي والصديق والانسان والشاعر, وانا اتعجب احياناً عندما أقرأ شعر ومغامرات الحب لنزار, فهذا أمر لا يصدق, لأن نزار رجل خجول جداً في علاقاته الشخصية . مرحلة نزار قباني في اسبانيا كانت مهمة جداً, فتعرفنا نادر ونزار وانا على الوسط الثقافي والمستشرقين في اسبانيا,وزرنا بلاد الاندلس وحضرت ولادة قصائد نزار عن غرناطة وعن والدته ايضاً, وشاركنا في مهرجان ابن حزم .1963‏
خلال تلك الفترة وبعدما تعلمت الاسبانية وبت اتحدث بها بطلاقة, شرعت في كتابة رواية من واقع الحرب الاهلية الاسبانية وذيولها, وكنت قد عدت الى دمشق مع زوجي وعملت على مراسلة نزار, لأستوضح منه عن بعض الاماكن الجغرافية ,لكن عندما انتهيت من الرواية توقفت عند عنوانها, واتصلت به مستنجدة وقلت له:يا نزار انا لن أجد عنواناً لتلك الرواية, وقد اطلق لي عنواناً بعدما عرف تفاصيل عن البطلة والرواية والحبكة هو ( عينان من اشبيلية) فالبطلة صاحبة عينين جميلتين ومواطنها اشبيلية.‏
هل احتل الرجل البطل حيزاً مهما في رواياتك ?‏
لا يمكن ان تكون هناك رواية من دون رجل بطل حتى احيانا في الرواية البوليسية او التاريخية. فالواقعية ضرورية في الرواية لتشويق القارئ. والروايتان اللتان كتبتهما ( البرتقال المر) و( عينان من اشبيلية) كانتا من قلب الواقع, والرواية يجب ان تكون ذات هدف وتحمل في طياتها دراسة اجتماعية.وهي رسالة تقدم لشخص حزين او سعيد على السواء.‏
ماذا عن الصداقة بين الرجل والمرأة?‏
الرجل اما معلم او استاذ او صديق. واتوقف عند كلمة ( صديق) لأقول ان الصداقة مهمة بين الرجل والمرأة, لكن يلزمها زمن معين من العمر وتحديداً الشيخوخة, لا أؤمن بالصداقة بين شاب وشابة, اذ هنالك رغبة وعلاقة من نوع آخر تجذبهما الى بعضهما بعضاً. والصديق عادة هو الذي نحكي له ونشكو له همومنا ومشاكلنا ومشاعرنا .‏
والشاب والشابة عادة هم رفاق وليسوا اصدقاء, والصداقة هي فوق الحب احياناً, كما ذكر ابو حيان التوحيدي في كتابه الشهير( البيان والتبيين ).‏
صداقات أدبية:‏
بمن تأثرت من الرواد في القرن الماضي?‏
-تأثرت بما قرأت للمنفلوطي والمازني, وتأثرت بمعروف الارناؤوط في دمشق, وتعرفت الى توفيق يوسف عواد في لبنان, كما تأثرت ايضا بأحمد امين .‏
-من هم اقرب الاصدقاء اليك في الصالون الادبي?‏
لم تكن هناك صالونات ادبية عاصرتها بالمعنى الصحيح, ففي مطلع القرن الماضي وجد صالون ( ماري عجمي) وهي استاذة كبيرة, اضافة الى صالون الاديبة ( مي زيادة) وفي بيروت عاصرت الندوات الادبية في مدينة تجمع كل الاذواق والاهواء.‏
واصدقائي كانوا اغلبهم في الجامعة الامريكية في بيروت, ومنهم الدكتور فؤاد صروف وهو من كبار الاساتذة, وقد شجعني على دراساتي وانكبابي على اصدار كتاب عن ( مي زيادة) بتأثر مباشر من عمه يعقوب صروف صاحب جريدة (المقتطف ) اضافة الى صداقتي مع الدكتور قسطنطين زريق رئيس الجامعة سابقاً, وشيخ المؤرخين الدكتور نقولا زيادة.‏
وهل تعتبرين انك حققت كل ما تتمنينه?‏
-لا, على الاطلاق , فأنا لست مغرورة لأقول عن نفسي هذا , على الصعيد الشخصي ككاتبة قد لا أكون تأسفت على اي شيء نشرته, فكل مرحلة زمنية كان لها نضج معين, فالكاتب عادة يتدرج والانسان يتعلم وينضج, وقد تأثرت حقيقة في مرحلة النضوج, اضافة الى كتاب عرفتهم بشعراء عاصرتهم التقيت بهم او شاهدتهم, ومنهم من رحلوا لكنهم خلدوا عبر اعمالهم ,وهم على سبيل المثال عمر ابو ريشة, بدوي الجبل, امين نخلة, والياس ابو شبكة.‏
واتمنى اليوم حقيقة ان اقدم الافضل والاحسن, اعد للألف قبل ان انشر اي عمل جديد حتى يكون في المستوى المطلوب.‏
سلمى الحفار الكزبري: شكراً لقد اديت رسالتك الرائعة بصدق ومحبة, ومثلك لا يموت ابداً.‏
***‏
ولدت بدمشق عام .1922‏
والدها السياسي والاقتصادي المرموق لطفي الحفار , من اعلام الرعيل الوطني الأول في سورية.‏
-أول رواياتها: يوميات هالة .1950‏
-عينان من اشبيلية-حرمان -الغربية-البرتقال المر.‏
-عنبر ورماد: (سيرتها الذاتية)‏
-حب بعد الخمسين ( مذكراتها) .1989‏
-مي زيادة واعلام عصرها- نساء متفوقات-سيرة لطفي الحفار.‏
-حازت جائزة الملك فيصل العالمية في الادب .‏
-لها ديوانان باللغة الفرنسية.‏
-مثلت سورية في عدة قنصليات خارجية.‏