هشام شرابي..هـل حـدد أزمـة المثـقف العربـي..

ثورة أون لاين:

ثقافة
الأحد 16/1/2005م

ربما كان هشام شرابي المفكر العربي الأكثر جرأة في بحث طبيعة العلاقة بين المثقفين العرب والغرب,

‏ طرح هذه العلاقة للبحث وللوصول الى غايةأساسية ومنشودة تقودنا إلى معرفةآليات التفكير الغربي,وكيف علينا أن نتعامل مع الغرب بفكره وثقافته وحضارته, ولعلّ قيمة هذا الطرح الذي قدمه الراحل شرابي تأتي من سيرته الفكرية التي تكونت في الغرب,وتحديدا في الولايات المتحدة, ومن هنا ,فإن ماقدّمه شرابي يعتبر انجازا فكريا متميزا من ناحيتين,الاولى :أنه لم يكن ليهادن فيما يطرحه ويعمل من أجله ,والثانية: انه لم يغفل تجربته الذاتية حين كان يقدم رؤاه وطروحاته الفكرية, فهو ابن الغرب فكريا لكن تجربته الذاتية ظلت تلقي بظلالها على ماقدم للفكر من مؤلفات تعنى بالكثير من القضايا التي تبحث بإلحاح عن إجابات بمقدار ماتبحث عن وسائل طرح في المنهج والوصول الى النتائج.‏
>ملامح نشأته وتكوينه..‏
في العدد (199) عام 1995 من مجلة المستقبل العربي التي تصدر في بيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية , قدم الباحث اللبناني: عاطف عطية من الجامعة اللبنانية, قدم دراسة هامة بعنوان: المثقف العربي وصدمة الحداثة: دراسة في التطور الفكري عند هشام شرابي في هذه الدراسة يتوقف عند سيرة المفكر شرابي, والتي قدّمها عبر مراحل تطوره الفكري, بالاستناد الى هذه الدراسة يمكننا ان نوجز نشأته وتطوره الفكري كالآتي : ولد عام 1927 في يافا -فلسطين, ينتمي الى اسرة معروفة هناك, وقد سمحت له ظروفها الاقتصادية ان يكمل دراسته في بيروت, ومن ثم في الولايات المتحدة الأميركية حيث أكمل الدراسة ودرّس في جامعاتها.‏
انقطع عن الاهتمام بقضايا الوطن العربي ثم عاد اليها بعد هزيمة حزيران 1967 ويرى عطية ان مكانة شرابي في الغرب تأتي من قدرته على ربط فكره الفلسفي بقضايا مجتمعه العربي ومحاولته تحليل وضع هذا المجتمع وتقديم الحلول له, بالاضافة الى اظهار ماخفي من سياسة الغرب وخصوصا الولايات المتحدة تجاه العرب.‏
أما مراحل تطوره الفكري,فيوجزها عطية بالآتي:‏
المرحلة الاولى: الدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت والعمل الحزبي 1940/1947‏
المرحلة الثانية: صدمة الحداثة والتخلي عن العمل الحزبي:1948/1950م‏
المرحلة الثالثة: الغربة الكاملة /1950/1967م‏
المرحلة الرابعة: اليقظة وعودة الوعي القومي 1967م.‏
في المرحلة الاولى لم يهتم شرابي بالقراءة الجدية لغياب الهم المعرفي,ولكون الحوار الجامعي من طرف واحد, ولكنه في عام 1945 يحدد ملامح طريقه ويدوّن في مذكراته التي كان يعدها باستمرار انه حدد نظرته الى الحياة وايضاح الاسس التي تقوم عليها ولذلك وفي 19 حزيران 1946م يسجل في مذكراته قائلا: (اليوم انضممت إلى الحزب السوري القومي ,انضممت رسميا اليوم, ولكنني بعقيدتي انضممت إليه عندما درست الحزب وتفهمته).‏
في المرحلة الثانية: تخلى عن العمل الحزبي ,وجاءت صدمة الحداثة, وخلال هذه المرحلة كما يقول عطية-فإن شرابي لم يخف دهشته عن كل مايمثله نمط الحياة هذا(الغرب) ابتداء من مواجهته استاذه الذي سيدرس عليه الفلسفة وانتهاء بلهفته للتخلص منأادران ثقافته الماضية, ومرورا بخجله من تصرفات زملائه العرب الفكرية لدرجة انه (كلما اشترك احدهم في النقاش, كنت اتمنى ان تنشق الارض وتبتلعني..) في هذه المرحلة كان مهتما بالانخراط في الحياة الاميركية.‏
في المرحلة الثالثة وكانت فترة صمت في المنفى لكنه نال شهادة الدكتوراه عام 1953 وبدأ منذ عام 1959 يدرّس تاريخ الفكر الاوروبي في الجامعة (شيكاغو) وكانت محاضراته تحلل النظريات الفلسفية حسب ماتقتضيه المنهجية الغربية.‏
المرحلة الرابعة: كانت بعد هزيمة 1967م, ومنذ ان انتقل شرابي الى بيروت في السنة الجامعية/1970/ 1971م كأستاذ زائر في الجامعة الاميركية, منذ ذلك بدأ تفكيره يدور حول الواقع الاجتماعي واسباب فساده, وبدأ يتساءل: لماذا خسرنا, نحن ابناء هذا الجيل كل معركة خضناها.. لماذا نعجز عن العمل لتحقيق أهدافنا الاجتماعية في حين تبدو هذه الظروف الموضوعية مؤاتية لتحقيق هذه الاهداف? لماذا نقبل في اعمالنا مانرفضه في اقوالنا وتفكيرنا الخاص?‏
في هذه المرحلة بدأ تحول هشام شرابي نحو القضية الفلسطينية والاهتمام ببنية المجتمع العربي ووصل الامر الى منهجيته وادواته النظرية و نصرف الى القراءة المكثفة في العلوم الاجتماعية ومناهجها وخصوصا في علم الاجتماع والانثروبولوجيا وعلم النفس التحليلي, وفي مطلع السبعينات بدأت ترجمة كتبه الى العربية.‏
>مؤلفاته..‏
-المقاومة الفلسطينية في وجه اسرائيل وأميركا-بيروت 1970-‏
-المثقفون العرب والغرب- عصر النهضة 1875-1914-بيروت 1971‏
-مقدمات لدراسة المجتمع العربي ط2 بيروت 1975م‏
-الجمر والرماد: ذكريات مثقف عربي, بيروت 1978م‏
-البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر-بيروت 1987‏
-النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين-بيروت 1990م‏
- النظام الابوي واشكالية تخلف المجتمع العربي- بيروت/1992م‏
> هشام شرابي والمؤسسة الاجتماعية‏
يرى شرابي ان بنية العائلة العربية هي مفتاح التحليل السوسيولوجي للمجتمع العربي, والعائلة بنظره هي المؤسسة الاجتماعية التي تلعب دور الوسيط بين شخصية الفرد والحضارة الاجتماعية التي تنتمي اليها, وغايتها- كما يرى - من خلال قيامها بهذا الدور دعم الثقافة الاجتماعية المسيطرة لضبط التغيير والمحافظة على استقرار النظام الاجتماعي الراهن الذي هو بدوره وليد النمط السائد في تركيب العائلة وفي توزيع الثروة والسلطة والمكانة الاجتماعية في المجتمع العربي, وهذا يعني (ان تغيير المجتمع يقتضي تغيير العائلة والعكس صحيح).‏
>المثقفون العرب والغرب.‏
بتاريخ 12/7/1993م ألقى الراحل شرابي في لندن وبدعوة من النادي العربي في بريطانيا, ومركز دراسات الوحدة العربية محاضرة حملت عنوان : (المثقفون العرب والغرب في نهاية القرن العشرين), ويمكن ايجاز خطوطها العريضة بالآتي:‏
يجد المثقفون العلمانيون انفسهم اليوم أمام مأزق حاد ينبثق من نوعين من التناقض الفكري والحضاري اولهما داخلي يتناول المجابهة العلمانية.والثاني خارجي ويعالج الموقف تجاه الغرب بنظامه الرأسمالي العالمي وثقافته المهيمنة, ان الغرب اليوم واكثر من اي وقت سابق, يريد لنا غير مانريده لأنفسنا,نحن نريد الحداثة,وهو يريد لنا التحديث, نحن نريد السيادة على ارضنا, وهو يجبرنا على قبول التبعية, نحن نصبو الى التحرر والوحدة وهو يفرض علينا الدكتاتورية البطركية باسم الديمقراطية وحقوق الانسان.‏
المفارقة المؤلمة هي ان المثقفين العرب بمن فيهم المقيمون في الغرب يقفون خارج الخطاب الغربي الجديد, انهم مستمعون ومتسائلون حول هذا الخطاب وأحيانا معلقون عليه لكنهم في كل الاحوال ليسوا شركاء في صنعه.. الى اي الخطابين ينبغي ان يتوجه المثقفون العرب .الى خطاب عصر الحداثة ام خطاب عصر ما بعد الحداثة الذي نحن في بدايته..? التوجه الصحيح هو التوجه الى كلا الخطابين على السواء, وليس الوقوف بجانب احدهم ضد الآخر.‏
مهمة المثقفين العرب‏
مهمة المثقفين العرب كما حددها شرابي- هي تأمين شروط الحوار الفعّال ورسم الاطر التي يمكن من خلالها تحقيق التعايش العلماني/ الاسلامي في مجتمع ديمقراطي متحرر من النظام الغربي. لايكفي نقد وضعيتنا الاجتماعية المفجعة الثقافة والواقعية تتطلب الالتزام في النضال العام الذي بدأ يتجسد في الحركات الاجتماعية الصاعدة في مختلف انحاء الوطن العربي.ويمكن تلخيص مسؤولية المثقفين الناقدين العرب في نهاية القرن العشرين على النحو التالي: تغيير الوعي حول قضية المرأة ,وتحقيق الحداثة المستقلة وصياغة الخطاب النقدي الذي يمكننا من مجابهة الغرب لا الهرب منه ,وتحدي السلفية لامحاربتها, ورفع المرأة الى مستوى الشريك الاجتماعي الكامل في نضالنا لتحرير الرجل والمجتمع في الوطن العربي.‏

 


طباعة