منير كيّال: عملت أجير فرّان وبائعاً متجولاً..

ثورة أون لاين:

منير كيّال: عملت أجير فرّان وبائعاً متجولاً..دخل نزار قباني كلية الآداب من أجل فتاة أحبها..

لقاء الأسبوع
الأربعاء 4/6/2008
ديب علي حسن
منير كيّال... باحث في تراث دمشق, في عاداتها وتقاليدها وصناعاتها , قدّم عنها أكثر من كتاب ودراسة , وهو يعكف الآن على المزيد من الدراسات والأبحاث التي يتمنى أن ينجزها بأسرع وقت ممكن...

في منزله الكائن بمشروع دمّر زرناه, وكان لنا معه هذا الحوار الذي تمنى أن يكون مباشراً أي أن يطرح السؤال ويقدم الجواب مباشرة , لا كما يفعل الكثيرون كما يقول يقدمون الأسئلة ويعودون بعد حين لأخذ الإجابة , فهو وحسب رغبته يريد أن يتدفق مثل الينبوع ولنا أن نأخذ ما نريد من مائه العذب.‏

> لنبدأ من محطات الحياة... ماذا تقول..?!‏

>> أنا من مواليد 1931 مدينة دمشق حي الشاغور , التحقت بمكتب الشيخ مسعود الذي كان بإشراف الشيخ ابراهيم شخاشيرو وأنا في سن الخامسة, حيث درست وتعلمت مبادىء القراءة والكتابة و ختمت القرآن الكريم وعلوم اللغة والحديث. وفي عام1941م تخرجت في هذا المكتب والتحقت بمدرسة أبي .عبيدة الجراح الابتدائية, وحصلت منها على الشهادة الابتدائية عام1946م ثم التحقت بمدرسة التجهيز الثانية(أسعد عبد الله) وحصلت على الاعدادية ثم الثانوية عام1952م وبعد ذلك التحقت بجامعة دمشق- قسم الجغرافية وتخرجت عام1962م.‏

أبي سائق قطار...‏

وحين نفتح دفاتر الطفولة ولحظاتها الهنيّة , يسأل وأي سعادة في هذه الطفولة: والدي كان سائق قطار على الخط الحديدي الحجازي, أذكر أني ذهبت معه إلى بيروت في القطار, وقد استمرت الرحلة أكثر من /12/ ساعة وكان بطيئاً وغير مريح , لم أحب هذه المهنة أبداً.‏

بعد أن تقاعد والدي, خرجت إلى العمل , بل أقول لك: عملت منذ كنت صغيراً , عملت أجير حداد, أجير طيان, أجير معمل بلاط, بائعاً متجولاً في المدينة والأحياء القريبة منها..‏

كنت أحمل في جعبتي كبائع متجول أشياء كثيرة, أبادلها بالبيض والعدس, وأحياناً أشتري(سطل شوربة) وأحتفظ ببعض النقود مصروفاً شخصياً, وعندما كنت أغيب عن الحارات كانوا لايشترون من بائع آخر , بل ينتظرون عودتي إليهم, هذه المهنة علمتني حب الناس والالتصاق بهم وأن أكتب عنهم وعن حيواتهم وتقاليدهم , صورت الحارات الشعبية لأنني جزء منها.‏

> هل تتذكر مدرسيك..?‏

>> نعم لقد درسني الجغرافيا عبد الحميد دركل والتاريخ شاكر مصطفى ود.جميل سلطان اللغة العربية, وكان حمدي الروماني مديرنا كانت دراستنا على طريق الربوة وعلى الطريق كنا نجد المتعة والماء والهواء والبساتين, نقطف الثمار اللذيذة, ومن شقاوات تلك المرحلة أذكر أننا(كتّفنا حارس البساتين لنسرق الجنرلك) كنا شلّة متضامنة على السرّاء والضراء ... وأود أن أقول : إن للشيخ ابراهيم(الكتّاب) فضلاً علي فقد كان يعمل في الليل فراناً وفي النهار شيخاً, وكنت أسمع لابنته دروسها وبعد 50 عاماً قالت لي: لقد تسببت لي بعقوبة(الفلقة) من زملاء تلك المرحلة: سهيل عرفة, والده كان لديه راديو هو الأول في حي الشاغور والناس يسهرون عندهم في المنزل بعد ذلك اشترى جار آخر مذياعاً.‏

لا أنسى سهراتنا الليلية حول المنقل, كان الكبار يبعدوننا عنهم, ولكننا كنا نزعجهم ببعض التصرفات(الصبيانية).‏

حكايا الكبار تجعلك جديراً بالحياة.‏

> وماذا عن المرأة آنئذ..?‏

>> مع أن المرأة كانت ضمن المنزل, وحبيسة جدرانه , لكنها كانت تتمتع بالحياة, وتشعر أن لها دوراً فيها, لم تكن أجيرة , ولها رأيها وخاصة عندما يكبر أولادها...?‏

> ولماذا الاهتمام بالتراث..?‏

>> لأنني ابن البيئة ولصيق بحياة الناس الذين عشت معهم صرت منهم, كانت المحبة صادقة, بلا رتوش , بلا مجاملات, الكل متعاون, البائع إذا استفتح يقول للشاري: اذهب إلى جاري لقد استفتحت.. لم يكن عصر المضاربات قد بدأ...‏

الآن تغيرت الأحوال الاجتماعية , وسائل الاعلام ,الحياة المزدهرة - سنّة التطور.. تغير كل شيء.‏

أحن إلى تلك الأيام...‏

أشعر بالشوق والحنين إلى تلك الأيام, وإن كنت استمتع بما هو الآن , لو عشت ثانية وثالثة, سأعود لأكتب ما كتبته وربما لأرمم ما أغفلته عن هذه المدينة, لأن كل ذرة من ترابها عبارة عن رفات الأحباء والأقرباء, أجدادنا, وأهلنا , ونحن وأولادنا من بعدنا, نحن تراب هذه المدينة وهذا الوطن, وعلينا واجب الوفاء.‏

> من أين تستمد معلوماتك... ما مصادرك?‏

>> البيئة هي مصدري الأول, خزنت في ذاكرتي الكثير, سجلت ملاحظاتي دونتها أفدت ممن سبقني ولاسيما من شيخ المؤرخين: محمد دهمان لأنه كان يرسلني إلى أماكن لا أعرفها ويطلب مني استكشافها, ويقول لي: صف المكان , وكن أميناً...‏

تعرضت للاعتداء...‏

لم يكن عملي هيناً, لاقيت المصاعب, ولقد أعتدى علي أكثر من مرة , في حمام الرفاعي, ظنوني من مديرية الآثار, وكذلك في حمام السلسلة... وعندما كنت أصور بائعاً متجولاًأسمع من البعض كلاماً نابياً وربما يعتقدون أني أريد بهم سوءاً...‏

باختصار كانوا يقاومونني خوفاً على المصلحة, وظناً منهم أني أسيء إليهم...‏

> أي مراحل دمشق التاريخية تعجبك..?‏

>> المرحلة الأيوبية والمملوكية والعثمانية , لأن هذه المراحل أعطت دمشق طابعها الجمالي, عاداتنا, تقاليدنا , تنطبع بالطابع العثماني ,لقد عاشوا معنا وذابوا في مجتمعنا.‏

وأود هنا أن أتوقف عند نقطة, لا أريد أن أغادر ذكر المرحلة العثمانية دون التوقف عندها, ألا وهي الخطأ الشائع الذي يقول إن كراكو تركي المنشأ , وهذا ليس صحيحاً على الاطلاق فهو من بلاد فارس وربما جاء عبر الأناضول , لقد أخذ السلطان سليم عدداً من المخايلين, وأفضل فرقة عادت إلينا بطابع تركي ومن ثم عربي ونحن حافظنا على أسمائها التركية.‏

وبالمناسبة(الكراكوز) كان معلماً يتجول في المقاهي والأماكن العامة, ويسهر في الأماسي يحاكي الناس ويفجر طاقاته التمثيلية ويقدم الموعظة ويستفيد منه الناس ترفيهاً وموعظة.‏

> لنعد إلى بردى نهر دمشق الخالد.. ماذا عنه..?‏

>> بردى رئة دمشق لولاه ما كانت , كان يوزع على كل بيت مياهه تصل كل البيوت عبر الطوالع, وكل طالع يعطي المنزل حصته من الماء, ثمة شخص يسمى(الفرضي) يحدد حصة الماء المسال إلى كل بيت حسب الحصة والأسهم, وشخص آخر يعتني بنظافة الطالع ويغلقه, والناس تشرب من هذا النهر ويؤدي حاجياتها قبل أن تنشأ لجنة مياه عين الفيجة , وكانت سبلاً للإنسان, وسبلاً للحيوان.‏

> عرفت دمشق بصناعات , وحرف نسبت إليها هل استطعنا الحفاظ عليها... وما مصيرها الآن..?‏

>> تميزت دمشق بصناعات أعطتها شهرة واسعة في العالم, فدمشق معروفة بأنها بلد(البروكار) بلد السيوف الدمشقية , بلد الزجاج وكانوا يقولون: أرق من زجاج الشام.‏

عرفت بالفسيفساء , فهنا نشأت هذه الصناعة منذ أيام الرومان وعندما عمّر الوليد المسجد الأموي استعان بالصناع السوريين وكان عددهم/20/ ألف صانع اشتركوا في البناء, والدليل على ذلك عندما احترق الأموي (ساخ الرخام) والقصور المشهورة والفخمة تعتمد بديكورها على الزجاج السوري, أبو نذير القزازي أحد أشهر الحرفيين بدمشق أعرفه منذ 50 سنة زار دولاً وأنشأ معامل للزجاج وينظر إليه كحرفي مبدع وفنان وكذلك (أبو سليمان الخياط) مزين قبة البرلمان وقصور في دول عربية صناعته الحلق الخشبي, أو الحفر الخشبي وتابع أولاده من بعده.‏

شهرة عالمية..‏

وأود أن أقول: إن ثوب الزفاف الذي ارتدته ملكة بريطانيا اليزابيت هو هدية من شكري القوتلي وهو من البروكار الدمشقي وقد قدم من محل مزنر في باب شرقي قبل أكثر من نصف قرن.‏

وأخاف على هذه السمعة أن تضيع لأن بعض ضعاف النفوس يقلدون الصناعات بمواد سيئة غير جيدة , الموزاييك يصنع على الورق المقوى و يباع , مشيخة الكارات كانت أحسن رعاية لم يعد لدينا من يحاسب على دقة العمل والسمعة .. لقد تجرأ الكثيرون و أساؤوا للمهنة , و لم يفعل أحد ذلك أيام زمان.‏

> هل تفكر بوضع موسوعة حول الصناعات الدمشقية?‏

>> تعمل وزارة الثقافة على جمع هذا التراث وتسجيله وقد بدأت ذلك عندما كان محمود السيد وزيراً للثقافة , تأسست لجان من المعنيين بالأمر وقد تم مسح العديد من هذه الصناعات.‏

> و الآن ما الذي تعنى به ?‏

>> كتبت الكثير عن دمشق , و الآن أكتب عن مسميات و كنى الدمشقيين و أبحث في الأقوال والأمثال التي يتداولها العامة , و قد قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال ,و أعيد صياغة الكتاب ثانية وسوف أدفعه للطباعة قريباً .‏

و كذلك أنجزت كتاب ( دمشق الشام ذاكرة الأيام) في هذا الكتاب أبين ما كان عليه الناس من تحاب و تناصر مع بعضهم, و حتى مع الحيوان , لقد كانت دمشق قبلة علمية للعالم , وكان الأموي جامعة , لا يحق للأستاذ أن يدرّس تحت قبته إلاّ إذا كان على قدر كبير من الموسوعية ولديه من الاحاطة بالعلوم, و بعد الفحص من العلماء و التدارس في الموضوعات الحرجة, فإن لاقى القبول كان له مايريد .‏

و حول الأموي كان ما يشبه الحي الجامعي .. مدارس ومؤسسات يقيم فيها الطلاب , يأكلون ويشربون , و لكل عمود يجلس عنده مدرس وقف مخصص له و لتلامذته..‏

> من يمد لكَ يد العون ?‏

>> لا أحد .. جهدي فردي , كتبي و ما تدره عليّ أطبع على نفقتي منذ زمن كانت بعض دوائر الدولة تشتري من كتبي ,و الآن توقفت لقد عرضت أحد كتبي للبيع مع بلاكاته بمبلغ زهيد و لكن لم أجد من يأخذه , أضطر أمام ضغط الحاجة الى بيع الكتاب الى أي ناشر ..‏

> و لماذا لا تلجأ الى اتحاد الكتاب العرب ?‏

>> الاتحاد تاجر و ليس ناشراً, يسعر كتبه بأثمان مرتفعة ولذلك تبقى كتبه حبيسة المستودعات .. و قد كنت متفرغاً للعمل فيه أعمل قبل الظهر و بعد الظهر .. و الأن تقاعدت‏

> ماذا يعني لك دمشق عاصمة للثقافة العربية لهذا العام.?‏

>> أن ننكب بكل طاقاتنا لإظهار و جهها الحضاري و أن يكون للثقافة حضورها البهي الذي لا نراه حتى الآن , لقد أدت حلب دوراً اثناء الاحتفاء بها عاصمة للثقافة الاسلامية , أقول بصراحة : لانرى احتفالاً و لا اهتماماً , و ثمة مسؤولون في هيئة الاحتفالية لاعلاقة لهم بدمشق , ولا أريد ذكر الأسماء .‏

> هل تهتم بالإبداع الشعري ..?‏

>> نعم , لقد قرأت شفيق جبري , و خليل مردم بك , و في الجامعة التقيت نزار قباني , لقد دخل اللغة الانكليزية من أجل أنثى كنيتها ( الخالدي ) كان يجلس معنا و يسمعنا شعره , وكانت الفتيات يتهافتن عليه و كان معي محي الدين صبحي العجان, أسقط العجان و اكتفى بصبحي .. و قتيبة الشهابي و حسين جمعة و جرت بين الاثنين مساجلات شعرية .‏

> و ماذا عن رفيقة دربك ..?‏

>> هي التي تهيء الجو المناسب للكتابة , و لها فضل كبير في ذلك , و قد أهديتها مجموعة من كتبي, وهذا ما جعل زوجة أحد المهتمين بالتراث الدمشقي تعتب على زوجها لأنه لم يهدها أيّ كتاب عل الرغم مما قدمته ..‏

> و ماذا عن مكتبتك ?‏

>> مكتبتي متخصصة و أولادي لا يريدون أن يتابعوا خطي و ربما تهتم بها جهة ما تعنى بالتراث الشعبي الدمشقي.‏

> أعلم أنك من هواة التصوير ..?‏

>> نعم , لقد مارست ذلك منذ عام 1950 م وحتى عام 2000م و أقمت معارض , صورت الفتيات الجميلات , حتى إن مجلة ( الدنيا ) كتبت : منير كيال يخطف الجميلات ليصورهن , و مجلة الجيل أخذت صوراً مني و نشرتها في ملف خاص , كنت أحمض في البيت‏

> أنت عضو في المجلس الأعلى لرعاية الفنون و الأدب .. ماذا عن دوره ?‏

>> إنه مهمل , يحتاج إلى تفعيل , يحتاج إلى جهاز إداري متمرس يقوم على جهود موظفة , امكاناته المادية متواضعة , تصوّر أننا لانتقاض عن كل جلسة ما يكفي أجرة ( التاكسي ) من مشروع دمرّ.. يحتاج إلى تعديل لوائحه المالية , و قد علمت أن وزارة المالية لم توافق ..‏

> سمعت أن جهة ثقافية رفضت طباعة أحد كتبك ..?‏

>> كان هذا عام 1969 م عندما قدمت كتاب : رمضان وتقاليده لوزارة الثقافة , و قد أعادوا الكتاب مع الاعتذار , و نسوا تقرير القارىء داخله وفيه كتب : فكر رجعي .. شكوت ذلك إلى الأستاذ نور الدين حاطوم الذي قالي لي : اكتب اكتب و سيأتي يوم يحترمونك و يبحثون عنك , و قد شجعني نبيه العاقل أيضاً .‏

من مؤلفاته‏

1- فنون و صناعات دمشقية وزارة الثقافة 1958م‏

2- الحمامات الدمشقية و تقاليدها صدر عن وزارة الثقافة سنة 1964 و طبعة ثانية مزيدة : مطبعة ابن خلدون بدمشق سنة 1986 م‏

3- رمضان و تقاليده الدمشقية . مطبعة الحياة بدمشق سنة 1974 . طبعة ثانية مزيدة عن مكتبة النوري بدمشق سنة 1992 بعنوان : الشام أيام زمان في رمضان .‏

4- يا شام : في التراث الشعبي الدمشقي مطبعة ابن خلدون سنة 1984 , و طبعة ثانية وثالثة سنة 1987 و 1993 م.‏

5- حكايات دمشقية . مطبعة ابن خلدون سنة 1987م.‏

6- الصناعات السورية التقليدية . المديرية العامة لمعرض دمشق الدولي باللغة العربية و اللغة الفرنسية سنة 1965م.‏

7- معجم درر الكلام في أمثال أهل الشام مكتبة لبنان سنة 1994م.‏

8- معجم بابات مسرح الظل مكتبة لبنان سنة 1995م.‏

9- دمشق ياسمينة التاريخ دار البشائر بدمشق سنة 2004م.‏

10- محمل الحج الشامي وزارة الثقافة سنة 2006م.‏

11- مآثر شامية في الفنون و الصناعات الدمشقية وزارة الثقافة سنة 2007 م.‏

12- بترول العرب و قومية المعركة مطبعة الحياة سنة 1970م.‏

13- جغرافية الوطن العربي بالاشتراك وزارة التربية سنة 1965م.‏

14- المرأة في المثل الشعبي الشامي سنة 2002م.‏

قيد الطبع :‏

1- بيت الله الحرام و المسجد النبوي.‏

2- سهرات النسوان في الشام أيام زمان .‏

3- جزيرة ارواد .. تاريخها و تراثها الشعبي