التاريخ وقراءات المبدعين ...اغتيال أم إعادة كتابة ؟

 

ثورة أون لاين: ديب علي حسن
التاريخ يكتبه المنتصرون , هكذا باختصار يختزلون تاريخ البشرية في سلمها و حربها , في حلها و ترحالها , و إذا كان المنتصرون يكتبون هذا التاريخ كما يحلو لهم .. هل تبقى كتابتهم أو روايتهم كما قدمت ..
بل السؤال الأكثر دقة : هل سنأخذها هكذا دون بحثٍ أو تقصٍ , من هنا نشأ الشك في الروايات التاريخية أو السرد التاريخي الذي أصبح في أحسن الأحوال عبئاً علينا نحن المشدودين الى صفحاته , نقلبها متفحصين و ناقدين و ناقمين أو معجبين أو رافضين , دون استخلاص العبر .‏
و إذا كنا مشدودين الى الماضي نعيشه نتنفس هواءه - بنقائه أو عفنه , ساهين لاهين عن صنع الحاضر الذي سيصبح ماضياً في تدفق ماء الزمن , فإننا بهذا المعنى نغتال مستقبلنا و بالوقت نفسه ننكفىء الى التاريخ في أكثر من اتجاه , نتجه إلى التاريخ الأدبي و السياسي و الاجتماعي و نعمل فيه تعقيماً و تحليلاً يخدم مصالحنا و رؤانا , و من هنا أستطيع أن أقول و بكل اطمئنان: إنّ الماضي يغتال الحاضر و المستقبل , و مع تقدم فنون الابداع المقروءة و المسموعة و المرئية نقبل على هذا التاريخ نعيد صياغته كما يحلو لنا وويلٌ لمن يتجرأ و يخالف آراءنا و قراءتنا لما قدمناه..‏
التاريخ على طاولة المبدعين كيف يبدو هل بقي فيه موضع كفّ, أو حرف أو صفحة إلاّ و أعيد استلهاماً وقراءة و تشويهاً و تمزيقاً و تحريفاً دون خجل ..?‏
قراءات جديدة ..‏
من حق أيّ باحث أو مؤرّخ أن يقرأ التاريخ قراءة جديدة في ضوء المعطيات الجديدة التي تتوفر بين يديه و تقدم دلالات قاطعة على صحة ما يذهب إليه في قراءاته , و في هذا الإطار نشير الى استعانة بعض الباحثين بالأدب و لا سيما الشعر لإعادة قراءة وقائع التاريخ وتصويب بعض اتجاهاتها , و من هنا أود أن أتوقف عند كتاب في غاية الخطورة و الأهمية صدر حديثاً عن دار الفكر بدمشق و تحت عنوان : فلسطين المتخيلة .. أرض التوراة في اليمن القديم . لمؤلفه : فاضل الربيعي .‏
يتكىء الربيعي على الشعر العربي القديم في إثبات ما يذهب إليه و يعلل ذلك بالقول : لأن الشعر العربي القديم هو إنشاء منمق لبنيات سردية مثيرة ,و مشحونة بطابع إنساني, فإن المواضع و الأماكن التي و صفها تحولت مع الوقت الى صورة آدمية حية , حتى التبس الأمر على القدماء ,و المعاصرين , و تكرست الكثير من المعتقدات - مثلاً - أن عنيزة التي عشقها امرؤ القيس في معلقته هي امرأة جميلة صادفها الشاعر , بينما سنرى فيما بعد أنها اسم وادٍ شهير من أودية العرب و ليس اسماً لا مرأة .‏
لقد صور الشعر القديم باطراد المواضع و الأماكن في هيئات بشرية و كانت أكثر هذه الصور إغراء و جاذبية صور كثبان الرمل الجميلة و الوديان و الجبال التي طالما حملت أسماء أنثوية و عرفت بها بينما أضفى الشعراء من جانبهم على هذه الأسماء كل ما يتطلبه الخداع الشعري من عاطفة فائقة و عبارات ولهٍ و شبوب لكي يتخطى أسواره العاطفية الطبيعية حتى يبدو غراماً مرضياً سقيماً و عجائبياً .‏
أنسنة أم حقيقة....??‏
مايطرحه الربيعي ليس قراءة جديدة للتاريخ فقط, بل قراءة جديدة للأدب العربي تحتاج الى الكثير من الأدلة والبراهين , وفي هذا السياق يرى أن :( هذه الأنسنة للأماكن في الشعر القديم لم تر بعد بحس نقدي وتاريخي , لأن عمق الالتباس عند المتلقين نقاداً وقراء كان يدفع باتجاه الإبقاء والتشبث بالبعد البشري ( الآدمي ) في الصور.‏
وما من قارئ للشعر القديم - وحسب الربيعي - إلا وسيتقبل تحليلنا بشيء من الاستنكار ....ويمضي قائلاً : إن تقاليد هذا التحويل في الصور تصب في مجرى ثقافة شعرية أقدم , فالصور الآدمية والمواضع وجدت على الدوام في الشعر السومري , ولعل البكائيات التي تركها لنا العراقيون القدماء فيما يعرف بمراثي المدن هي الفناء الخلفي لقصائد الوقوف على الأطلال عند العرب , وهي ذاتها قصائد البكاء على المنازل الموحشة ,وهذه دون أدنى شك -كمايقول الربيعي- هي المادة الأصلية لتقاليد البكاء على أورشليم أو مايعرف بالبكاء عند حائط المبكى , إن مصدراً قديماً مثل الشعرالجاهلي يكاد يصبح بالنسبة إلينا نحن المعاصرين أكثر دقة وتبصراً حتى من الخرائط التي رسمها الجغرافيون للجزيرة العربية هذه الخرائط لم تكن بحكم ظروف إنجازها لمتطلبات سياسية وعسكرية لتحتمل الانغماس في التفاصيل الصغيرة بينما اهتمت على نحو ممتاز بالتعليمات التي كان يفرضها سير الحملات العسكرية , في المقابل كان الشعر العربي القديم يغوص في وصف مسهب ومرهف لكل مايحيط ببئر ماء , أوكثيب رملي ,بحيث يستطيع كل مرتحل أو مسافر في البراري والبوادي أن يهتدي إليها بسهولة كما لوكان يمسك بخريطة حسنة التصميم , هذه القوة التصويرية النفاذة والذكية هي التي تفرض علينا اليوم إمكانية إحلالها دليلاً موثوقاً به, محل سائر الفرضيات اللغوية أو المصادفات الجغرافية الثانوية والعرضية والتي لسوء الحظ يمكن أن ترغم صاحبها على الانغماس في جدل يصعب حسمه.‏
وإذا كان الربيعي يعيد قراءة الشعر العربي القديم لدحض معطيات تاريخية هي بالأساس موضع شك لأن الوثائق التاريخية وحتى الحفريات الأثرية التي جرت فميا بعد لم تدل على وجود لها ,بل هي متخيلة وربما من نسج الأساطير , ولكن هذا لايعني أن نبحث عن مكان جغرافي ننقلها إليه ولهذا العمل محاذيره وقد أشار إلى ذلك هو في دراسته , وإذا كان التاريخ كما أشرنا في البداية يكتبه الأقوياء فإنهم أنفسهم ولوبعد مئات السنين أو آلافها يزورونه لخدمة أغراضهم وأهدافهم , والأقوياء وحدهم يلوون عنق التاريخ كما يحلو لهم , وهم الذين يستثمرونه كما يريدون وفي اللحظة التي يريدون .‏
وإذا كان الربيعي في بحثه يريد أن يصحح وقائع ومعطيات فإن ثمة مبدعين استلهموا التاريخ في الرواية والدراما والمسرح وفي أعمال ابداعية كثيرة وقدموا قراءات مغايرة كانت الغاية منها النيل من نبل هذا التاريخ أو تحطيم وتشويه صور أبطال تراكمت عبر التاريخ أخبار و معطيات تتدلل على علو مكانتهم التاريخية والحضارية وبالوقت نفسه , فإن ثمة أعمالاً أخرى وفي مختلف فنون الابداع تسعى الى إعادة تسويق وقائع ليست نظيفة ....ومن هنا فإن مخاطر هكذا قراءات إبداعية يزداد ونحن أمام ركام من المعطيات البعض يقدسها والآخر يعقمها والآخر يشوههها,ولسنا وحدنا من يعث فساداً في تاريخنا , بل ثمة آخرون من الجانب الآخر يفعلون هذا ولنا عودة إلى ذلك من خلال رواية فرنسية تغتال تاريخ زنوبيا وتجعلها من نساء ألف ليلة وليلة

 

 


طباعة