نول خشبي قديم وأنامل سحرية تنسج بإتقان مشغولات التراث السوري

ثورة أون لاين:

أكثر من خمسين عاما ولم يغير ابو اياد عادته الصباحية حين يبدأ بعمله اذ يفتتح نهاره بالاستماع لأغاني الزمن الجميل مستلهما منها طاقته للإقبال على العمل بجد ونشاط في ورشته الصغيرة التي لا تتجاوز بضعة امتار لينسج بأنامله التي ارتسمت بخطوط الزمن مشغولات يدوية فريدة ومتقنة.

في ورشته الواقعة في حي الدحاديل بدمشق يزاول أبو إياد حسين فرحات الملقب بـ الحايك مهنته ذات العمر الذهبي ليصنع البسط والسرج وبيوت حفظ القرآن الكريم التي تعلق على جدران المنازل راويا لكاميرا سانا مراحل عمله فيقول: “مهنتي صنعة تراثية لا تغني ولا تسمن من جوع لكنها تمنعك من مد يدك للآخرين فهي رياضتي اليومية كونها تعتمد على الوقوف لساعات طويلة وتحريك القدمين والرجلين ومنها أجني رزقي”.

بشكل مصفوفات يضع أبو إياد الخيوط الملونة على نوله القديم الذي اعتادت خشباته على حركة أنامله ويتابع: “ورثت المهنة عن والدي لافتا إلى أن طريقة العمل لا تزال على نفس النهج” بالبداية كنا نستخدم خيوط صوف تصبغ يدويا حتى ظهر صوف اكرليك الذي عزفنا عن استخدامه حاليا بسبب ارتفاع أسعاره واستبدلناه بقصاصات الأقمشة المتبقية من معامل الألبسة”.

أبو إياد الأب لخمسة أبناء يشير إلى أنه حاول تعليم هذه المهنة لأبنائه في أوقات فراغهم لكن لم يكن لديهم الرغبة بتعلمها في ظل انتشار التكنولوجيا الواسع معتبرا أن صناعة البسط حرفة سورية بامتياز اشتهر بها أهل البادية السورية لكنها مهددة بالاندثار بسبب عزوف الكثيرين من الشباب عن تعلمها نظرا لضعف مردودها.

لا تخلو هذه المهنة الصلبة التي تعتمد على قوة وخشونة الرجل من لمسات أنثوية ناعمة تقوم بها زوجة أخيه أم حيدر التي تقوم بوضع الشراشيب وخياطة بعض المشغولات.

العمل يتطلب جهدا وصبرا كبيرين حيث يبين أبو إياد أن العمل يمر بعدة مراحل أولها تجميع قصاصات الأقمشة وقصها بشكل متناسق ولفها بواسطة الدولاب على ماسورة استعدادا لوضعها في المكوك بعدها يتم تجهيز الخيوط على النول المثبت بالأرض بحسب الألوان المرغوبة لتبدأ مرحلة النسج بحركة متناوبة.

صناعة البسط قديما كانت تعتمد على تزيينها بأشكال هندسية وزخرفة نباتية والتي تتطلب وقتا وجهدا أكبر فيما اختصر التزيين حاليا على تنسيق الألوان وصفها بحسب أبو إياد الذي يبين أنه وجد في مسلسلين تاريخيين عرض خلالهما طريقة عمله على النول للدلالة على حقبة زمنية كان النول فيها حرفة أساسية.

وتعتبر مشغولات النول من التراث التي يستهوي البعض اقتناءها وتزيين بيوتهم أو محلاتهم التجارية أو السياحية كما تجذب الزوار الأجانب كتحفة تذكارية مرتبطة بتاريخ البلد وعراقته وهنا يختم أبو إياد بالقول: “لن أتوقف عن العمل وسأبقى دائما أقدم كل ما لدي لأجل إحياء هذه الحرفة”.