في عيد السيمفونية الوطنية

ثورة أون لاين- سعد القاسم:

في مثل هذه الأيام قبل خمس وعشرين سنة بالتمام والكمال ذهبت إلى قصر الأمويين للمرة الأولى، كنت يومذاك أرأس القسم الثقافي في هذه الصحيفة، وقد دعاني المايسترو صلحي الوادي، بصفتي تلك، وبحكم الصداقة الشخصية التي تربط بيننا،
لحضور تدريب الفرقة السيمفونية الوطنية التي كانت تستعد لتقديم حفلها الأول على خشبة القاعة الرئيسية في القصر.‏

لم تستثن الدهشة أحداً منا ونحن نشاهد القاعة الكبيرة الفاخرة، غير أن صلحي الوادي كان يرقب بإمعان مقاعد الصالة الكبرى في قصر الأمويين أثناء تحضيرات الحفل، ويسأل من حوله بقلق كم سيملأ الجمهور منها؟ مقارناً ضمناً بين عددها الكبير، وعدد الحضور في حفلات فرقة موسيقا الحجرة في صالة الحمراء بدمشق، أجابه القائمون على القصر أنهم لن يفتحوا الشرفتين الكبيرتين، وسيدخلون الجمهور بأكمله إلى الصالة الأرضية. لم يتبدد قلق الوادي فعدد مقاعد الصالة الأرضية وحدها ما زال يفوق بأضعاف عدد مقاعد صالة الحمراء، وكتعبير عن قلقه من هذه التجربة الجديدة، في هذا المكان الجديد، طلب مني أن أتجول بين المقاعد مع بدء العزف لمعرفة مستوى الصوت في كل أنحاء الصالة، وكان ما طلب، وخلال تجوالي بين المقاعد وظهري إلى المنصة كنت أستغرب قوة صوت الكمان من بين جميع الآلات، وحين استدرت لمعرفة السبب اكتشفت أن عازف الكمان الأول في الفرقة رعد خلف كان بدوره يتجول مع موسيقا آلته بين المقاعد وانتهى الاستغراب بضحكة متبادلة ظلت ذكرى جميلة حتى اليوم.‏

امتد الطريق بين حلم صلحي الوادي بتأسيس فرقة سيمفونية وطنية، وبين تحقق هذا الحلم سنوات طويلة بدأت في المعهد العربي للموسيقا الذي احتضن حيويته الخلاّقة ومشروعه الطموح على امتداد أكثر من ثلاثة عقود وصار اليوم يحمل اسمه. في زمن لا يحلم فيه موسيقي بنظرة إنصاف مجتمعية. فإذا كان قد تلقى دعماً غير محدود من وزيرة ثقافة آمنت بمشروعه هي الدكتورة نجاح العطار، فإنه قبل ذلك واجه خصومة شرسة من سواها، فغير مرة جلس على كرسي وزير الثقافة أشخاص لا علاقة لهم بالموقع الذي احتلوه. أحدهم طلب منه يوماً أن يغلق ذلك (المكان المشبوه الذي يديره) مستخدماً تعبيراً سوقياً مخجلاً(!). وآخر شُغل كلياً بتدمير مشروعه الموسيقي. وهو ما أشار إليه الوادي في رسالة الشكر التي وجهها للدكتورة العطار إثر تقليده وسام الاستحقاق السوري، حيث قال:‏

« سيدتي الوزيرة..وأنا أرفع إلى سيادة الرئيس برقية الشكر على الشرف الكبير الذي منحني إياه، لا أستطيع أن أنسى أن ما مُنحته أتى باقتراح منك، وبإيحاء من سيادتك، أنت التي كنت الدافع والمحرك لكل ما تحقق من جهود بذلت، وآمال تحققت، وأحلام تجسدت..لو حاولت أن أتصور العشرين سنة الماضية دونك على رأس وزارة الثقافة لما رأيت مدارس باليه، ولا فرق سيمفونية، ولا أوبرا، لو تصورت وزيراً آخر بعد ...، و...، و...، بديلاً لك، لكنت أنا الآن مزارعاً في بغداد المحاصرة دون موسيقا، دون مستقبل، ودون أمل.. أشكرك أيتها الأخت الطيبة لأنك في عالم الضياع منحتني مأوى».‏

كان صلحي الوادي قد حول قبو المعهد إلى قاعة استماع تخلو من أي مظهر من مظاهر الفخامة باستثناء الجمهور الأنيق، وتقاليد الحضور الراقية التي كرسّها صلحي الوادي منذ الحفلات الأولى، وتبدأ من الاحترام العميق لموعد الحفل ولا تنتهي عند الاستماع الجليل للعزف، والصمت المطبق وعدم التصفيق بين حركات القطعة الواحدة، وأخيراً التصفيق الأنيق الحار البعيد عن المبالغة والتطرف. وبعد وقت ليس بالقصير اتسع هذا الجمهور فصار يملأ مسرح الحمراء حيث انتقلت إليه حفلات فرقة موسيقا الحجرة، ومعها التقاليد التي أرساها صلحي الوادي، حتى أنه في إحدى المرات بدأ الحفل في الوقت المحدد تماماً دون انتظار راعي الحفل الذي وصل متأخراً بضع دقائق فاضطر للبقاء خارجاً حتى انتهاء المقطوعة الأولى وفتح باب الصالة.‏

الخطوة الأهم التي مهدت لتأسيس الفرقة الوطنية السيمفونية، تجلّت في تأسيس المعهد العالي للموسيقا. وبعض ما يسجل لصلحي الوادي أنه عرف كيف يقود هذا الحلم لسنوات طويلة في دربٍ لم يكن مفروشاً بالورد دائماً. و ما لا يمكن الاختلاف حوله أن القسم الأعظم من الموسيقيين الشباب المتميزين في سورية اليوم، ومن أعضاء الفرقة السيمفونية الوطنية هم من خريجي هذا المعهد، وطلاب صلحي الوادي، ومعظمهم - لحسن الحظ - يفخر بهذه الحقيقة.‏

في عام 1993 ظهرت الفرقة السيمفونية الوطنية إلى الوجود متوجةً جهود سنوات طويلة، ومحدثةً حالة اجتماعية ثقافية جديدة ومتطورة. كان صلحي، و ما حدث يوم الحفل فاق كل التوقعات، فقد امتلأت الصالة وشرفتيها حتى آخر مقعد، بل أن عدداً كبيراً من الحضور اضطر للعودة إلى دمشق خائباً لأنه لم يجد مكاناً له، وفي ظل هذه الحفاوة الكبيرة قدمت الفرقة حفلها الأول الذي كان نجاحه مقدمة نجاحات كبيرة رافقت الفرقة في حفلاتها التالية داخل سوريه وخارجها. وللحديث تتمة.‏

www.facebook.com/saad.alkassem ‏


طباعة