الأوطان لاتباع وتشترى

ثورة أون لاين-منهل إبراهيم:

عندما عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشِراء جزيرة غرينلاند قوبل عرضه الكوميدي بالسخرية من قبل الدانماركيين... لكن على ما اعتقد كان جاداً في ذلك وربما يملك المال الكافي.. لكن ليس كل شيء يشترى بالمال.. الأمر الذي يؤكد رعونته واستخفافه بمن حوله ضمن صفقاته المقيتة وأكثرها مقتاً (صفقة القرن) المزعومة.

وهناك الكثير من العوامل التي ترسخ ضحالة تفكير دونالد ترامب ورعونته، وعدم خُروجه من قوقعة السّمسرة العقاريّة التي عاش مُعظم حياته في تجاويفها.

ترامب لا يفهم إلا لغة الصفقات العقاريّة التي تتحكّم في سياساته، وكُل تحرّكاته، وطبيعة علاقاته، واعتقاده أنّ كُل شيء قابِل للشّراء بالمال.

غرينلاند تتواجد قي باطِنها ثرَوات هائلة من النفط والغاز والحديد والرصاص واليورانيوم والزنك، ولذلك أراد ترامب أن يُجرّب حظّه مع السلطات الدانماركيّة ويُمارس عليها الابتزاز أثناء زيارته المُلغاة، مُعتقدًا أنّ الصّفقة جاهزة، وأنّه لن يعود خالي الوِفاض مِثل زياراته لبعض الدول العربيّة.

أمريكا تملك تاريخًا في هذا المِضمار، فقد اشترت كاليفورنيا من المكسيك ولويزيانا من الفرنسيين.. فلماذا لا تشتري غرينلاند من الدانماركيين؟ .. لكن الظّروف تغيّرت وما كان جائزًا قبل قرن غير مُمكن الآن .

دونالد ترامب لم يتخل يوما منذ وصوله إلى البيت الأبيض عام 2017 عن عقلية رجل الأعمال فقد استغل مرارا وتكرارا منصبه الرئاسي لتسيير أعماله التجارية الخاصة والترويج لها في كل مناسبة.

و تعهد (المشهور بكذبه) بالفصل بين منصبه كرئيس وأعماله التجارية وبالامتناع عن استغلال سلطته لمساعدته في مشاريعه الخاصة.. لكنه انتهك هذه الوعود مرارا وواصل الترويج لشركته الخاصة في المناسبات الرسمية بالبيت الأبيض .

ويتحدث ترامب باستمرار عن أملاكه العقارية وفنادقه وشركته على شاشات التلفاز وموقع تويتر للتواصل الاجتماعي ويزورها بشكل دائم خلال أعماله كرئيس للولايات المتحدة كما أنه لم يوفر الفرصة لعرض استضافته قمة مجموعة الدول السبع الكبرى في منتجع دورال للغولف الخاص به العام المقبل في خطوة من شأنها أن تدر عليه أرباحا طائلة.

وهنالك أمثلة كثيرة عن انتهاك ترامب لبروتوكول الفصل بين منصب الرئيس الأمريكي والأعمال الشخصية بما فيها استمراره بالتعامل مع شركات وحكومات أجنبية في عقاراته رغم الدعاوى القضائية المرفوعة ضده بهذا الشأن.

وللتذكير فقد رفع مدعيان عامان في ولايتي واشنطن وماريلاند دعوى قضائية ضد ترامب في حزيران الماضي لقبوله أموالا من حكومات وشركات أجنبية عبر شركته العقارية.

وبحسب سجلات رسمية نشرت في أيار الماضي فإنه في غضون ثمانية أشهر بعد تنصيب ترامب أرسلت حكومات أجنبية 13 مذكرة لوزارة الخارجية الأمريكية تطلب فيها السماح بتأجير أو تجديد إيجارات في برج ترامب العالمي وذلك في انتهاك واضح للدستور الأمريكي.

الأوطان ليست للبيع والشراء.. ولا مكان لأمثال ترامب عند الشعوب التي تحترم نفسها، وتُؤمن بقداسة تُرابها الوطني وسيادته.. ولهذا لن تمُر (صفقة القرن) وستعود فِلسطين والجولان وجميع الأراضي المحتلة لأصحابها عاجِلًا أم آجِلًا.. لأنهم يمتلكون الكرامة والعزة الوطنية اللتين تتفوقان على ثراء ترامب وعدوانيته وأفكاره المريضة.