ليس ما يحدث اليوم من احتراب داخلي دموي في السودان وليد الساعة أو المصادفة، بل له مقدمات وأسباب خارجية لا يمكن فصلها عن المخطط الاستعماري الذي يستهدف البلدان العربية بمجملها، ولا سيما تلك التي تملك موقعاً وحضوراً جيوسياسياً مؤثراً، فالسودان باعتباره توأم مصر وشريكها في مياه النيل وفي التاريخ عموماً، كان ولا يزال محط أنظار القوى الطامعة، فإذا أردت أن تتحكم بمصر “الدولة المحورية” فيجب أن تتحكم بمياه النيل، ولذلك كان السودان هدفاً للاحتلال الإنكليزي ذات يوم، ثم أصبح بعد نشوء الكيان الصهيوني هدفاً للتغلغل الإسرائيلي، والجميع يعلم أن حكام الكيان مازالوا متمسكين بالحدود التوراتية لكيانهم الغاصب (من الفرات إلى النيل) ولهذا كان السودان هدفاً بذاته بسبب النيل..!
لقد كان الكيان الصهيوني أول جهة تقيم علاقات قوية واستراتيجية مع دولة جنوب السودان التي انفصلت بداية الألفية الثالثة بعد حرب أهلية طويلة غذتها الدوائر الصهيونية والغربية، حيث يمتلك جنوب السودان مخزوناً كبيراً من النفط الخام، ثم تم إشعال الحرب الأهلية في أقليم دارفور لسنوات طويلة بهدف تقسيم السودان مرة أخرى والاستيلاء على ثرواته الزراعية (سلة غذاء العرب) والباطنية (احتياطي هائل من الذهب والمعادن النادرة والثمينة)، والمائية بصورة خاصة من أجل خنق مصر من شريانها الأبهر، وما زالت قضية “سد النهضة” الأثيوبي مثار جدل وخصام بين متشاطئي نهر النيل الثلاث مصر والسودان وأثيوبيا حيث تتكفل الشركات الصهيونية بتمويل وإنشاء السد لغاية في مخطط كيانها الخبيث، لذلك يمكن اعتبار الدماء التي تجري في السودان بين المتصارعين على السلطة في الخرطوم جرحاً سودانياً ولكن آلام هذا الجرح تتردد في أرجاء مصر وباقي الدول العربية، والمصريون بالذات يدركون جيداً خطورة الصراع الدائر ومدى تأثيره عليهم على المدى البعيد.
كل الأمل في أن ينجح أبناء النيل في إفشال هذا المخطط وإخراج ما تبقى من السودان من دائرة الوجع العربي والأفريقي المزمن، لأن المخطط له مخالب صهيونية غربية لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية.