الثورة – عبد الحليم سعود:
مع بدء العملية العسكرية الروسية في شرق أوكرانيا في شباط الماضي ووقوف أوروبا “الجزء الشرقي من حلف الناتو” إلى جانب نظام كييف النازي في تمرده على العلاقات الطبيعية والاستراتيجية مع موسكو، وتطور هذه العملية إلى حرب كسر عظم بين روسيا وحلفائها من جهة وأميركا والتابعين لها في الحلف الأطلسي من جهة أخرى، كثرت الأسئلة حول تداعيات هذه الحرب على مستقبل العالم بشكل عام وأوروبا بشكل الخاص – المستفيد الأكبر من إمدادات الطاقة الروسية – وبينما كان العالم يعيش شبح أزمة غذاء قاسية نتيجة صعوبة تصدير القمح الأوكراني بسبب العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضت على روسيا، عاشت أوروبا المتجهة نحو شتاء قاس هذا العام قلقاً غير مسبوق نتيجة مخاوفها من احتمال وقف تدفق الغاز الروسي إليها – تشكل إمدادات الغاز الروسية نحو 40 بالمئة من احتياجات أوروبا – حيث من الصعب تأمين البديل الجاهز والسريع لهذا النقص الهائل في الطاقة، وكان هذا الاحتمال قائما بقوة مع وقوف معظم الدول الأوروبية إلى جانب نظام كييف ودعمه بشتى الوسائل على أمل إغراق روسيا بما يسمى المستنقع الأوكراني.
ومنذ ذلك اليوم كان السؤال ماذا لو أوقفت روسيا إمدادات الغاز إلى أوروبا، وبغض النظر ما كان وقف الغاز نتيجة مشكلة فنية أو عملية صيانة أو ورقة ضغط روسية على أوروبا لتليين موقفها المعادي تجاه موسكو، فإن ما خُشي منه قد وقع، فمنذ أيام وقع المحظور ودخل الأوروبيون في متاهات عدة، حيث أوقعتهم تبعيتهم العمياء لواشنطن وعدم حرصهم على إقامة علاقات مصالح متوازنة مع موسكو في شر أعمالهم، وباتت أوروبا أمام خطر الموت برداً بسبب الشتاء، إذا لم يتحرك قادتها لمعالجة الموقف الصعب، لأن المواطن الأوروبي الذي لا تعنيه الحرب غير مستعد البتة لتحمل تبعات تهور حكوماته ودفع ثمنها من حياته ورفاهيته، وهنا الأمر لم يعد يحسب على الرفاهية ونقصها بقدر ما يحسب على حاجات ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها.
الخطوة الروسية بلاشك ستكون لها تداعيات سلبية جداً على أوروبا وعلى اقتصادها، فمحطات الغاز المسال في أوروبا لا تستطيع استيعاب الإمدادات الإضافية، والغاز المسال من الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها لايمكنه أن يحل محل الغاز الروسي.
كما هو معروف الطاقة هي شريان الحياة الأول والرئيس لاقتصاد الدول، وانقطاعه سيعرض اقتصادات هذه الدول لخسائر كارثية قد تستطيع تحملها، وإذا ما وضعنا في الحسبان أن أهم ثلاثة اقتصادات في أوروبا “ألمانيا وفرنسا وبريطانيا” تعتمد على الغاز الروسي، يمكن القول أن مستقبل الاتحاد الأوروبي الذي خرجت منه بريطانيا قبل سنوات قليلة في خطر شديد.
ومع اتفاق الكثير من المحللين على أن روسيا قادرة على تأمين أسواق بديلة لغازها، فإن أوروبا ستعاني كثيراً في إيجاد البديل، فالدول الأوروبية على سبيل المثال تولد نحو ربع طاقتها الكهربائية من الغاز الطبيعي، وتستورد حوالي ثلث احتياجاتها من الغاز من روسيا، بحسب “غولدمان ساكس”، وهي مؤسسة خدمات مالية واستثمارية أمريكية متعددة الجنسيات.
وحتى ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، زاد اعتمادها على واردات الطاقة الروسية بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية.
فقد ارتفعت حصة إمدادات الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا، خلال عشر سنوات، من 40 إلى 55 بالمئة، وفق موقع “دويتشه فيله” الإخباري الألماني.
وتعتمد دول أوروبية، كالتشيك ولاتفيا ومولدوفا، على الغاز الروسي بنسبة 100 بالمئة.
هذه المعطيات تؤكد أن إغلاق روسيا صنابير الغاز عن أوروبا سيهدد أمن الطاقة في القارة العجوز، لعدم توفر بديل كافٍ على المدى القريب.
وحتى إن توفر، فإن تكلفته ستكون باهظة جداً، فضلاً عن أن أوروبا تفتقر لمحطات الغاز الطبيعي المسال، الذي تستورده من دول مثل الولايات المتحدة.
وتظهر المخاوف الأوروبية جليةً من خلال عدم فرض عقوبات على الطاقة الروسية، وتراجع ألمانيا عن مقترحات فرض حظر على واردات النفط.
يقول المستشار الألماني أولاف شولتس: ” إن النفط والغاز الروسي لهما “أهمية أساسية” للاقتصاد الأوروبي، حيث يأتي نحو 40 بالمئة من واردات الاتحاد من الغاز وربع نفطه من روسيا.
لذا، فإن أي اضطرابات أخرى في عملية استيراد الغاز من روسيا يمكن أن تكون لها آثار جانبية كبيرة على اقتصاد منطقة “اليورو” وتزيد من معدلات التضخم، التي زادت بعد أزمة كورونا.
كما أن أسعار الغاز ارتفعت بالفعل إلى مستويات قياسية بنسبة 60 بالمئة، مدفوعة بالأزمة الروسية الأوكرانية.
باختصار شديد الأوروبيون اليوم أمام خيارات صعبة جداً إذا ما استمروا في نهجهم المعادي لروسيا، وكان ينبغي عليهم قبل المغامرة في دعم نظام نازي التفكير بالمصالح الكبيرة التي تجمع بينهم وبين روسيا، ولاسيما أن روسيا كانت أكثر ميلاً لحل الأزمة الأوكرانية بالتفاوض والحوار، في حين فضلت أميركا الحل العسكري والفوضى والقتال حتى آخر أوكراني.. فهل يستطيع الأوروبيون الصمود بوجه الشتاء القادم حتى آخر أوروبي..؟!.