الثورة – عبد الحليم سعود:
تصادف اليوم الذكرى الحادية والعشرون لأحداث 11 أيلول “تفجيرات 11/9 يوم ضرب تنظيم القاعدة الإرهابي المصنع في مخابر الـ” سي آي إيه” الأميركية قلب أميركا مستهدفا مبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن وبرجي التجارة العالمية في نيويورك، في حدث خطير وغير مسبوق جعل العالم يترنح على إيقاع مرحلة مفصلية من التاريخ الحديث ودفع بالكثير من المراقبين للقول “إن ما بعد 11 أيلول سيكون مختلفا عما قبله”، وبالفعل لم تتأخر إدارة المحافظين الجدد آنذاك بقيادة جورج بوش الابن عن تصنيف العالم إما مع أميركا أو ضدها – غير مفسحة أي مساحة أو فرصة أو مجال للحياد أو للتساؤل أو الاستفسار حول الأسباب التي مهدت لهذا الحدث الكبير، وأدت إلى وقوعه، رغم أن العالم كله كان يعرف تماما أن مرتكبي هذه الأعمال الإرهابية من المتطرفين كانوا إلى وقت قريب – ومازالوا والأيام والأحداث تؤكد ذلك – من أبرز حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في الحرب المعلنة ضد الشيوعية..؟!
الغريب أن هذا الحدث الكبير الذي هز العالم لم يعد أحد يتذكره سوى في ذكراه السنوية، فما حدث بعده من حروب وإرهاب ومجازر ارتكبتها الولايات المتحدة ذاتها كان أشد هولا وفظاعة ووحشية مما ارتكبه عناصر القاعدة الخارجين من دهاليز مخابراتها وأروقة علاقاتها المشبوهة، فقد قامت واشنطن وحلفاؤها بشن حرب سريعة لاحتلال أفغانستان “تشرين أول عام 2001″ وبعد أقل من عامين ” آذار 2003″تم غزو العراق، وفي تموز عام 2006 وبتشجيع من الولايات المتحدة التي كانت تريد صنع شرق أوسط كبير على مقياس مصالحها وأطماعها، قام الكيان الصهيوني بشن حرب مدمرة ضد المقاومة الوطنية اللبنانية، وفي عام 2011 وبقيادة ورعاية وإشراف وتواطؤ أميركي معلن بدأ ما يسمى “الربيع العربي” الذي شهد أقذر الحروب والمشاريع التدميرية والتخريبية والتقسيمية والعدوانية بحق شعوب منطقتنا ولاسيما في سورية، حيث مازالت هذه الحروب والمشاريع القذرة مستمرة بأشكال مختلفة لا تقل فظاعة عما ارتكبه إرهابيو القاعدة ومشتقاتهم خلال العشريتين الماضيتين من القرن الجديد.
ولعل أبرز الأسئلة المطروحة على وقع إحياء هذا الحدث الرهيب، هل اتعظت أميركا مما جرى معها في 11 أيلول، وهل فكت ارتباطها بالإرهاب أم أنها مازالت ترعاه وتجد فيه مسوغا وذريعة دائمة للتدخل في شؤون الدول الأخرى تحت مسمى “محاربة الإرهاب”، وهل يمكن أن يتكرر مثل هذا الحدث في أميركا أو غيرها؟!.
في الواقع أثبتت السنوات الماضية أن الإرهاب هو صناعة وسياسة أميركية بحتة، إذ مازال تنظيم داعش الإرهابي على سبيل المثال – وقد اعترفت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة بوقوف بلادها خلف ولادة هذا التنظيم – يحظى برعاية أميركية غير معلنة، ففي البادية السورية يتحرك هذا التنظيم التكفيري القاعدي برعاية ودعم أميركي لاستهداف الجيش العربي السوري وعناصره في أنحاء متفرقة، كما يحظى إرهابيو جبهة النصرة في محافظة إدلب – وهم فرع من تنظيم القاعدة – بدعم وتغطية أميركية تعرقل تحرير المحافظة وتحول دون التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة في سورية، كما ترعى الولايات المتحدة بشكل معلن وسافر ميليشيا قسد الانفصالية التي ترتكب بحق أهالي الجزيرة السورية أفعالا إجرامية لا تقل بشاعة عن أفعال تنظيم داعش، وهو ما يؤكد مرة تلو المرة أن الإرهاب صنعة أميركية، ولا أدل على ذلك من وقوفها الدائم إلى جانب الإرهاب الصهيوني بحق شعبنا في فلسطين المحتلة.
لقد أكدت حرب أفغانستان كل الشكوك حول علاقة أميركا بالإرهاب، فبعد عشرين عاما من احتلال هذا البلد بزعم محاربة تنظيم القاعدة وحركة طالبان سحبت أميركا قواتها بصورة مفاجئة لتترك الشعب الافغاني جائعا محطما ومهشما تحكمه حركة طالبان المتخلفة وتنشط في بلاده تنظيمات إرهابية شبيهة بتنظيمي داعش والقاعدة وأشد إرهابا منهما، ما يدفع بالسؤال المحوري الأهم ماذا حققت الحرب الأميركية على الإرهاب سوى نشر العنف والإرهاب والتطرف على مساحات أكبر من الكرة الأرضية بحيث باتت الفرصة مهيأة في كل يوم لـ 11 أيلول جديد.
