الثورة – عبد الحميد غانم:
دخلت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا منذ شباط الماضي، منعطفاً استراتيجياً جديداً، ستكون له تداعياته على مشهد الصراع الدولي المحتدِم على خلفيّتها. منعطفٌ تجلّى تَشكّله بوضوح في خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، متوجهاً إلى الأمة الروسية، الذي فنّد التهديدات التي تُواجه بلاده، وما يترتّب عليها من ضرورة اتّخاذ إجراءات ملحّة لضمان أمنها القومي، تَمثّلت أوّلاً في إعلان التعبئة الجزئية لقوات الاحتياط، ومن ثمّ تحذير الغرب من أن روسيا «مستعدّة للذهاب بعيداً في استخدام الأسلحة النووية، في حال تَعرّضها للخطر».
والتعبئة الجزئية، تعني حشد الرئيس قواته المسلحة استجابة للتهديدات الخارجية التي تستهدف الأمن القومي للبلاد لمدة لا تزيد عن 24 شهراً، أي نقل القوات المسلحة من حالة السلم إلى حالة القتال والاستعداد لحرب مفاجئة واستدعاء قوات الاحتياط مع إعداد مخزونات السلاح والعتاد العسكري، وعادة ما تتزامن التعبئة مع إعلان الحرب.
بهذا الإعلان للرئيس بوتين يدخل العالم مرحلة جديدة من المواجهة، بين روسيا وحلفائها من جهة، وبين أميركا وأتباعها من جهة أخرى، مرحلة إلى المجهول، التي حذرت منها موسكو بسبب سياسات أمريكا والغرب، التي كانت وراء إشعال الأزمة في أوكرانيا.. مرحلة قد تفضي، إما إلى حرب إقليمية أو عالمية كبرى، وإما أن تفضي إلى إعادة تشكيل ورسم خارطة نظام عالمي متعدد الأقطاب، وربما يكون هذا هو الهدف الرئيس من وراء قرار التعبئة الجزئية من أجل الضغط والدفع نحو قبول المطالب الروسية وأخذ كل الهواجس التي تبديها موسكو بعين الاعتبار لجهة تهديد أميركا وأوروبا لأمنها القومي.
هذه الخطوة الروسية لم تكن مستبعدة ومتوقع حدوثها، لأن أميركا والغرب تجاوزا الخطوط الحمر عندما أعلنا توسع الناتو شرقاً، وبتجهيز شن حرب ضد روسيا عبر أوكرانيا، لذلك جاء القرار الروسي بإعلان التعبئة الجزئية كرد على الضغط والتصعيد الأميركي والغربي المتواصل بأشكال عديدة، لا سيما بعد المحاولات الأخيرة للولايات المتحدة وأوروبا الترويج لهزيمة روسيا في أوكرانيا، وأن القوات الروسية بدأت بالانحسار والتراجع.
وتطميناً للشعب الروسي، تطرّق الرئيس بوتين إلى إجراءات إضافية يتضمّنها مرسوم التعبئة الجزئية، موضحاً أن رؤساء مؤسّسات الصناعة الدفاعية مسؤولون بشكل مباشر عن مهام زيادة إنتاج الأسلحة والمعدّات العسكرية، ونشْر قدرات إنتاجية إضافية، كما أن على الحكومة «أن تحلّ فوراً جميع المسائل المتعلّقة بالمواد والموارد والدعم المالي لمؤسسّات الدفاع».
في الوقت الذي حذّر بوتين فيه الغرب من مخاطر تجاوَزه كلّ الخطوط في سياسته العدوانية المناهضة لروسيا، مبيّناً أن الأمر «لم يَعُد مجرّد سماع مسؤولين غربيين مستهترين بشأن إمداد أوكرانيا بأسلحة هجومية بعيدة المدى، وإنّما بدأت القوات الأوكرانية بالفعل بقصف حدود مدننا في القرم وبيلغورود وكورسك». وهذا يعني أن واشنطن ولندن وبروكسل تدفع كييف مباشرة إلى نقل العمليات العسكرية إلى الأراضي الروسية.
وعليه فإن القرار الروسي يؤكد أنه لن تكون هناك هزيمة لروسيا بكلّ الوسائل في ساحة المعركة كما تريد أمريكا وأعوانها، ولن يكون هناك مساس للسيادة الروسية على أراضيها ولو كلف ذلك حرباً عالمية تستخدم فيها الأسلحة النووية.
فروسيا لديها إمكانية الرد على التهديدات الغربية بكل الوسائل المتاحة، والتي تتفوق بها على أعدائها، وبكل أنواع الأسلحة الصاروخية والقتالية وحتى النووية، التي يمكن استخدامها، في حال هدد أمن روسيا وسيادتها وأراضيها وأمنها القومي وأمن مواطنيها، ولن تقبل موسكو بالهزيمة أو الانكفاء والتراجع، ولن تقبل باستمرار نظام الهيمنة والقطبية والتبعية الذي تتزعمه أميركا وشركاؤها الغربيون.
لقد حققت روسيا خلال الأشهر الماضية على بدء العملية الروسية في أوكرانيا الكثير من الإنجازات في الميدان، وأولها أنها أفشلت العدوان الأمريكي الغربي الذي كان سيشن عبر أوكرانيا ضد أراضيها وسيادتها، وأحبطت المخطط العسكري العدواني، كما حققت روسيا إنجازات على الصعيد السياسي والإعلامي إذ باتت الشعوب الأوروبية تقف مع الموقف الروسي في مواجهة سياسات أميركا التي جلبت لأوكرانيا وأوروبا الكوارث الاقتصادية والاجتماعية وألحقت بحكوماتها الخزي والانكسارات ولم تعد قادرة على تحسين ظروف حياة مواطنيها التي انحدرت بسبب العقوبات الأوروبية والأميركية التي فرضت على روسيا وانقلبت عليها وحلت بها المشكلات المالية ونقص الغاز وارتفاع أسعار المواد الغذائية والنفطية وتعاني من التضخم والتضييق الاقتصادي والصحي.