الثورة – ترجمة ميساء وسوف:
إذا تم النظر إلى التطورات الأخيرة في المجالات الرئيسة الثلاثة للسياسة والدبلوماسية والتجارة الدولية والاقتصاد والجيش في الولايات المتحدة معاً، فسيكون هناك اكتشاف مخيف. هذا الأسبوع، سيعقد زعماء الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية اجتماعاً في كامب ديفيد، وهو مقر استراحة لرؤساء الولايات المتحدة، هذا النوع من القمة هو الأول في تاريخ هذه الدول الثلاث، ولم يعد هدفه ضد الصين مخفياً.
وفقاً لتقارير وسائل الإعلام اليابانية، ستتفق اليابان والولايات المتحدة أيضاً هذا الأسبوع على تطوير صاروخ معترض بشكل مشترك “لمواجهة الرؤوس الحربية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت التي تطورها الصين وروسيا وكوريا الشمالية”. أما الأمر التنفيذي الخاص بفرض قيود على الاستثمار في الصين والذي تم توقيعه مؤخراً من قبل الرئيس الأمريكي جو بايدن ، فإن آثاره السلبية تنتشر.
إن الإجراءات والتدابير السياسية لواشنطن المذكورة أعلاه تتميز جميعها بلون “حرب باردة جديدة” قوية وتُظهر اتجاهاً للاستمرارية والشدة المتصاعدة. هل يمكن وصفها بأنها أفكار أو أفعال “حرب باردة جديدة”؟ يمكن تمييز ذلك من خلال المعايير الأربعة التالية. أولاً: هل هي منافسة تصادمية محصلتها صفر أم منفعة تعاونية متبادلة؟ ثانياً: هل يتضمن تحديداً أيديولوجياً أم تبادلاً متساوياً، وتعايشاً سلمياً بين الحضارات المختلفة؟ ثالثاً: هل تخلق مجموعات وتحالفات للمواجهة أم أنها تعزز الانفتاح والشمولية وبناء مجتمع مصير مشترك للبشرية؟ رابعاً: هل تلجأ إلى الاحتواء والقمع ضد المنافسين المتصورين، أم أنها تشارك في منافسة حميدة في نطاق القواعد والمبادئ الدولية؟ عند المقارنة، تصبح الإجابة بديهية.
مثلما أصبح دق طبول “الحرب الباردة الجديدة” أكثر تواتراً ورائحة البارود أكثر خنقاً، أكدت شخصيات بارزة في البيت الأبيض، بما في ذلك الرئيس بايدن، في مناسبات مختلفة أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى الحرب الباردة الجديدة ، وأنها يجب أن ترفض الاحتواء الجديد، وأن على واشنطن أن تتعلم من دروس الحرب الباردة وأن بناء التكتلات القديمة في الحرب الباردة ليس متماسكاً. لقد خلق هذا مشهداً غريباً حيث لا يوجد مجرد خروج بل تناقض بين أفعال وتصريحات الولايات المتحدة، وكذلك بين التقييم الذاتي الأمريكي والانطباعات الحقيقية للعالم الخارجي عنها. هذه القضية تتجاوز النفاق الأمريكي أو نقص الوعي الذاتي وهي تنطوي على مخاطر أساسية كبيرة.
هناك اثنين على الأقل من الاحتمالات، الأول هو أن واشنطن تعلم أنها منخرطة في حرب باردة جديدة، وتدرك جيداً أن الناس في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الأمريكيون، يعارضون بشدة ويساورهم قلق عميق بشأن حرب باردة جديدة. بعبارة أخرى، تدرك الولايات المتحدة أن هذه مهمة تنطوي على مخاطرة كبيرة، وبالتالي لن تعترف بها أبداً، بدلاً من ذلك، قد تصف أفعالها بمصطلح جديد لخداع العالم.
السيناريو الثاني هو أن الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل حرباً باردة جديدة، لكنها لا تعتقد حقاً أنها تخوضها. سيكون لهذا عواقب أكثر خطورة من السيناريو الأول، لأن الولايات المتحدة لا ترفض فقط التفكير وتغيير مسارها، ولكنها ستكتسب أيضاً دافعاً أخلاقياً أقوى من التنويم المغناطيسي الذاتي. من أجل إيقاظ الولايات المتحدة من سباتها المزعوم أو الحقيقي، يحتاج المجتمع الدولي إلى تقوية مقاومته وانتقاده ضد بدء الولايات المتحدة بـ “حرب باردة جديدة” واتخاذ الإجراءات المناسبة.
يشير مقال في المجلة الأمريكية “فورين أفيرز” إلى أن تاريخ الحرب الباردة أصبح يقيد الطريقة التي ينظر بها الأمريكيون إلى العالم، بما في ذلك جعل الأمريكيين يكافحون لفهم المناطق الرمادية بين الأصدقاء والأعداء، مما يجعل المفاوضات مع المنافسين تبدو وكأنها تنطوي على مخاطر كبيرة. يصعب على الأمريكيين تخيل سياسة خارجية أقل عسكرة، وكلما تعمق سوء فهم التاريخ والواقع، زادت القيود في تفكير الحرب الباردة على صناع القرار في السياسة الخارجية الأمريكية، لقد شوهت الاستراتيجيات والمقاربات الدبلوماسية التي تمت صياغتها بناءً على ذلك السياسة الدولية.
وبشكل أكثر تحديداً، أساءت واشنطن فهم التاريخ، وأساءت تقدير الأوقات، وأساءت فهم الحزب الشيوعي الصيني والشعب الصيني. إن القوة التدميرية لـ “الحرب الباردة الجديدة” ذات مستوى عالمي، ومصير البشرية جمعاء يقف عند مفترق طرق.
قد تعتقد النخب السياسية الأمريكية أن الولايات المتحدة كانت الفائز في الحرب الباردة، وهو أمر مثير للجدل، ولكن من المؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون الفائز في “الحرب الباردة الجديدة” ويجب أن تتحمل المسؤولية التاريخية عن خيارات اليوم.
المصدر – غلوبال تايمز